السير والجوابات (ج 2) لسيدة إسماعيل كاشف - موافق للمطبوع
الجزء ٢ · صفحة ٨٥وأنكروا جورهم وخطئوا من دان بطاعتهم أو تولاهم أو تولى لهم، فلما كثر الجور واستخفوا الإسلام خرج عليهم المرداس بن حدير(1) فيمن أتبعه فأظهر دين المسلمين ودعا إلى طاعة الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجاهد الجبابرة على ذلك حتى قتل، والمسلمون له موالون وعليه مجتمعون، وعلى ذلك تتابعت الحوارج من أهل الحق، فلما خرج نافع ابن الأزرق انتحل الهجرة وسبي أهل القبلة واستحل استعراضهم بالقتل وسماهم بالشرك، وتتابعت خوارج الجور على سبي أهل القبلة وتسميتهم بالشرك، ففارقهم عبد الله بن أباض وأنكر عليهم وبيّن ضلالهم، والمسلمون معه ممن كان في عصره ومشهور فضلهم وخطّئوا الخوارج(2) وبينّوا ضلالتهم ولم [476] يرضوا لأنفسهم بالسكوت، وأنكروا عليهم وعلى جميع الجبابرة ومن شايعهم ودان بطاعتهم، كذلك اجتمعت كلمتهم، وعلى ذلك خرج عبد الله بن يحي والمختار بن عوف(3) وأجمع على إمامة عبد الله بن يحي وولايته وجاهدوا معه عدو الإسلام حتى استشهدوا /85/ رحمة الله عليهم، دعوتهم واحدة وسيرتهم واحدة يتبع الآخر أثر الأول حذو النعل بالنعل، والعلماء في أيامهم من أهل الدعوة عليهم مجتمعون ولهم موالون يسيرون في ذلك السير، وأوضحوا الخبر وبينّوا الحجة وثبتوا على السنة، منهم جابر بن زيد، وأبو عبيدة الأكبر(4) مسلم ابن أبي كريمة، وضمام(5)، وسالم بن ذكوان، وأبو الحر(6)، والربيع، ومحبوب، ووائل بن أيوب، وخلف بن زياد، وهلال بن عطية، ومن كان معهم ومثلهم في عصرهم، ولم يرضوا بالشك وأنكروا على الشكاك وعلى الشعبية، وفارقوا أهل الإرجاء(7)، وجميع الجبابرة، ومن دان بطاعتهم أو صوّب رأيهم أو تولاهم، أو تولى لهم، يبيّنون للناس ضلالة قومهم وبدعة من خالفهم، ولم يتولوا أحدا؟ قال: بغير قولهم ومضوا على الحجة التامة والإجماع بلا فرقة بينهم ولا تنازع في دينهم /86/
(1) المراد بن حدير: هو أبو بلال مرداس بن أدية التميمي، شهد معركة صفين مع على ابن طالب وأنكر التحكيم، ولم يعجبه مقاتله المسلمين بمضهم بعضا فانسحب وأقام في البصرة بعد موقعه النهروان مع قبيلته من بني تميم، وكان أبو بلال مرادس أحد خاصة عبد الله بن وهب الراسي وممن حضر صفين والنهروان وقتل سنة61هـ (انظر: الدرجيني: طبقات الإباضية- مخطوط- ورقة 92 و93، والبرادى: الجواهر المنتقاة ص 167).
(2) يعني بالخوارج هنا المتطرفين من الخوارج، أو (خوارج الجور) كما ورد في النص.
(3) المختار ابن عوف: الأزدي العماني المعروف بأبي حمزة الشاري، كان قائدا لعبد الله ابن يحي الكندي المشهور بطالب الحق والذي بعثه في موسم الحج من سنة 129هـ للاستيلاء على الحجاز.
(4) سمي أبو عبيد مسلم بن أبي كريمة (الأكبر) تمييزا له عن أبي عبيدة الثاني عبد الله بن القاسم، أو ابن أبي القاسم المعروف بأبي عبيدة الصغير، من قرية بسيا من عمان (انظر: السمائلي: أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج ص49).
(5) ضمام: هو ضمام بن السائب الأزدي العماني، كان من أساتذة الإمام الربيع بن حبيب.
(6) أبو الحر: هو أبو الحر علي بن الحصين العنبري، وهو من أشهر العلماء الإباضية.
أهل الإرجاء: همالمرجئة الذين يدينون بمذهب الإرجاء وهو التأخير؛ لأنهم يرجئون الحكم على العصاة من المسلمين ليوم البعث، كما يتحرجون عن إدانة أي مسمل مهما كانت الذنوب التي اقترفها، ويرى المستشرق الإنجليزي نيكلسون أن المرجئة مشتقة من أرجى بمعنى بعث الرجاء والأمل، ويرة المستشرق الألماني فإن فلوتن أن المرجئة مأخوذة من قوله تعالى في سورة التوبة آية 10 (وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم)، (انظر: البغدادي: الفرق بين الفرق ص19، والشهر ستاني: الملل والنحل ج 1ص 257 - 259 و 276، والدكتور حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي ج1 ص 327 - 328 وما ذكر من المراجع).