الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٠البحث والاستقصاء والتعريف، وخاصة من قبل الباحثين الأكاديميين في الجامعات ومراكز البحوث الذين يؤكدون في بحوثهم على الدقة العلمية في المنهج وعلى الموضوعية في التفسير. ذلك أن ما كتب في القضاء خارج المؤسسات العلمية يغلب عليه التزام مذهب بعينه أو يشتط في تخريجاته دون دليل ملموس أو رواية تاريخية موثوقة. والإسلام ليس ضد الاختلاف في الرأي والاجتهاد، ولكنه ضد التشدد الذي يؤدي إلى الخلاف، وعن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قوله "الخلاف شر"، ذلك لأن الخلاف هو محاولة هدم الرأي الآخر دون الاستناد إلى دليل وبأسلوب غير موضوعي بل بمنهج أملاه الهوى والعناد. لقد كان السلف الصالح من الفقهاء والقضاة أكثر الناس إدراكاً لأهمية الاختلاف لأنه يتيح المجال للوصول إلى الحل أو الحكم المناسب. وقديماً قال أبو حنيفة النعمان بن ثابت بعد مقابلته الإمام جعفر الصادق واستفساره منه عن بعض المسائل الفقهية والعقيدية "أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس".
واقتداء بسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومنهج الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، فسحت الدولة العربية الإسلامية في القرون الإسلامية الأولى المجال للرأي والرأي الآخر في الفقه القضائي، ولم تلتزم الدولة في أغلب عهودها مذهباً رسمياً على حساب مذهب آخر بل كانت فوق المذاهب وفسحت مجالاً واسعاً للاجتهاد. كما أكدت الدولة على أن يكون تعيين القضاة من صلب اختصاص الخليفة ومن أهم مسؤولياته. بل إن الخليفة أبا جعفر المنصور مؤسس الدولة العباسية عدّ القاضي أول وأهم أركان الدولة والمجتمع حيث قال: "ما كان أحوجني إلى أن يكون على بابي أربعة نفر لا يكون على باب أعفّ منهم هم أركان الملك: فقاضي لا تأخذه في الله لومة لائم، والآخر صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي، والثالث صاحب خراج يستقصي ولا يظلم فإني عن ظلمه غني، والرابع صاحب بريد يكتب بخبر هؤلاء على الصحة".