الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٠١وكمالها، وهو العهد الذي سينتهي فيه الاضطراب السياسي، ذلك الاضطراب الذي امتدَّ طيلة القرنين السادس والسابع للميلاد، وسوف يعرف المغرب فترة من الاستقرار والهدوء، ربما لا تطول، إذ لا تتجاوز الربع الأوَّل من القرن الثاني الهجري، ولكنَّها كانت فترة مهمَّة إذ استعاد فيها العرب و البربر كلاهما أنفاسهم وتدبَّروا ملياً فيما أنجز من الفتح وما بقي …
والحقيقة إنَّ هذه الفترة التي لم تطل، كان فيها البربر يجسون نبض العرب المسلمين في فترة السلم بعد أنْ انقضت مرحلة الحروب ضدَّهم، ثمَّ معهم، وتيقنوا بالاحتكاك المباشر أنَّهم مخلصون للعقيدة وللأرض في عمومهم، طبَّقوا عليهم المساواة والعدل وأحسنوا إليهم.
إنَّ هذه النتيجة التي خرج بها البربر عموماً في تقويمهم للعرب الفاتحين ثمَّ للعرب الولاة المقيمين وجدوا أنَّها تشوِّشها سياسة بعض المسؤولين من الخلفاء والولاة ومستشاريهم، إذ انحرفوا في معاملاتهم للبربر، وتعدَّوا في الصدقات والعشر بل أرادوا تخميس البربر وزعموا أنهم فيء المسلمين(1) رغم أنهم مسلمون قد ارتضوا الإسلام دينا.
وقد رافق هذا الظلم الذي انحرف به بعض الولاة عن الجادَّة، بروزُ أفكار تدعو إلى تخليص الدين من المفسدين … أفكار دعا إليها الإباضية والصفرية، وهما من الفرق التي كانت تصارع الأمويين وظلمهم في العراق بالمشرق، فانتقلت إِلى مطاردة الظلم الأموي بالمغرب(2)، فكانت ثورة البربر العارمة سنة
(1) - ابن عذاري: البيان، 1/ 52.
(2) - في هذه الفترة بالذات بدأت الدعوة العبَّاسية تعمل في الخفاء لتقويض أركان الدولة الأموية التي أجمعت الرعية في المشرق والمغرب على أنَّها كانت جائرة، وبخاصة في سياستها الجبائية.