القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١١٩

شأن من شؤون الحياة احتاجت إلى تشريع لم يكن العرب فيِ جزيرتهم العَرَبِيَّة يحتاجون إِلَيْه، «فنظام للرّيِّ يخالف ريَّ الجزيرة … ومسائل مالية عديدة معقَّدة لا تقارن … بجزيرة العرب، ومسائل الجيش والفتوح، ومعاملة المغلوبين … وأحوال فيِ الزواج، وأنواع فيِ طريقة التقاضي لم يكن لهم بها عهد، وجنايات ترتكب لم يرتكبها العرب فيِ حياتهم البسيطة، وقل مثل ذَلِكَ فيِ سائر الشؤون الداخليَّة والخارجيَّة … »(1).

من هنا يمكن أن نقول: إنَّ القضاة أو الذين تولَّوا مهامَّ القضاء، لاَ بُدَّ أَنَّهُم واجهوا عددا كبيرا من الدعاوي والقضايا بدون سوابق من نوعها، ربما احتاجت، كما قال هوبكنز(2) إلى مزيد من الوقت لكي يقرِّر الإجماع والاجتهاد فيها قراره.

وبما أَنَّ القضاء فيِ وظيفته الأولى هو فضُّ الخصومات، فإنَّ الذي يتبادر إلى الذهن من موضوعات للقضاء هو ملكية الأراضي، والتنازع عَلَيْها، بخاصة بعد انسحاب البيزنطيِّين ومن كان يدور فيِ فلكهم، هروبا من العرب الفاتحين والدين الجديد، والحقيقة أَنَّنَا لاحظنا إشارات إلى هَذَا النوع من الخصومات فيِ الكتب الإِبَاضِيَّة التي ذكرت أَنَّ جماعتهم لَمَّا عزموا عَلَى بيعة أبي الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح المعافري إماما سنة 140هـ/757م كانوا يخرجون من مدينة طرابلس إلى موضع بغربيِّها يُسَمَّى “صيَّاد”، ولكي لا تتبعهم عيون السلطة ادَّعوا أَنَّهُم يجتمعون لفضِّ نزاع حول أرض لقوم أرادوا قسمتها، وأظهروا ذَلِكَ وأعلنوه(3).

ولا شَكَّ أَنَّ اختيارهم لِهَذِهِ القَضِيَّة بالذات إِنَّمَا جاء من

(1) - أحمد أمين: فجر الإسلام، المؤسَّسة الوطنية للفنون المطبعية، الرغاية، الجزائر، 1989م. 380.

(2) - النظم، 220.

(3) - أبو زكرياء: سير، 62. الدرجيني: طبقات، 1/ 22.

١١٩ / ٧٤٣