الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٤مغرب المعارك الحاسمة، إذ عمل الولاة الذين بعثتهم الدولة الأُمَوِيَّة ثُمَّ العَبَّاسِيَّة عَلَى القضاء عَلَى الاضطرابات وإبعادها عن إفريقية مركز السلطة المشرقيَّة العَرَبِيَّة الإِسلاَمِيَّة، وبالتالي ظلَّ المغرب الأوسط، عَلَى ما يبدو، بيد شيوخ القبائل البربريَّة وزعمائها يقيمون العدل ما استطاعوا، وينشرون المذهب الإباضيَّ بخاصة، ويمهِّدون لقيام الدَّوْلَة الرُّسْتُمِيَّة(1).
ونشطت الإِبَاضِيَّة فيِ المَغْرِب الأدنى وَإفريقية بخاصة فيِ هَذِهِ الفترة، وأقاموا لهم كيانات متتالية بمدينة طرابلس، واستطاعوا أن يحكموا إفريقية لمدد متقطِّعة. وتذكر الروايات الإِبَاضِيَّة أَنَّ أَوَّل إمامة لها كانت إمامة الحارث وعبد الجبَّار سنة 127هـ/744م إذ تَوَلىَّ أحدهما الإمامة، وتكفَّل الآخر بالقضاء، وكانت فيِ أحواز طرابلس، ولم تستمرَّ طويلا، إذ وُجدا مقتوليْن سيفُ أحدهما فيِ جسم الآخر(2). يذكر ابن خلدون أَنَّ عبد الرحمن(3) بن حبيب هو الذي قتلهما سنة 131هـ/748م.
والذي يهمُّنا هنا أَنَّ الإِبَاضِيَّة فيِ أَوَّل كيان سياسيٍّ لها اهتمَّت بتعيين القاضي، حرصا منها عَلَى توفير العدل وإقامته، وهروبا من الجور الذِي كانوا يعانونه من بعض الولاة وعمَّالهم ببلاد المغرب.
وَاسْتَمَرَّت المحاولات الإِبَاضِيَّة حَتَّى كانت دولة أبي الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني سنة 140هـ/757م التي استطاعت أن
(1) - انظر: كِتَابنا: الدَّوْلَة الرُّسْتُمِيَّة، 59 وما بعدها. محمود إسماعيل: الخوارج، 41 - 44.
Masqueray Emile: (Traduction) chronique d’Abou Zakaria
(2) - أبو زكرياء: السيرة، 63. الرقيق: تاريخ، 128. الدرجيني: طبقات، 1/ 24. البرادي: الجواهر، 170. الشَّمَّاخِي: سير، 125. لقبال: المَغْرِب الإِسْلاَمِي، 168. جهلان عدُّون: الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيش، نشر جمعية التراث، القرارة، الجزائر، 1990. 43. محمود ناجي: تاريخ طرابلس، 132.
(3) - ابن خلدون: العبر، 6/ 223.