القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٢٨

الذي ظلَّ قاضيًّا عشرين سنة(1)؛ ومنهم من قصرت مدَّته ليوم واحد كعبد الله بن فروخ الفارسي، الذي أُجبر عَلَى القضاء إجبارا وَهُوَ يمتنع، ولكنَّ الوالي روح بن حاتم (172 - 174هـ/788 - 790م) أقعده للقضاء بين الناس رغم أنفه، وَلَمَّا تَقَدَّمَ إِلَيْهِ خصمان وجداه يبكي شفقة عَلَى نفسه من مسؤولية القضاء وخطورته، وطال بكاؤه، وكان يقول: ”ارحموني يرحمكم الله“(2).

وكان أغلب قضاة إفريقية فيِ هَذِهِ الفترة عدولا علماء موصوفين بالتقوى والورع، لا تأخذهم فيِ الله لومة لائم، ولا أدلَّ عَلَى ذَلِكَ من القاضي أبي كريب جميل بن كريب المعافري، الذي حكم عَلَى الوالي عبد الرحمن بن حبيب لصالح خصمه الذي اشتكاه عنده(3)؛ وكان من تمام ورعه وعدله أَنَّهُ يبقى النَّهَار كاملا وحده فيِ موضع قضائه بالمسجد لا يتحرَّك منه، جاءه الخصوم أو لم يأتوا، «فيقال له: أتقعد وحدك؟ فيقول: إنَّ الناس ذهبوا، فيقال له: لو أَنَّكَ انصرفت، فيقول: ومن لي بالملهوف إذا قصد إِليَّ فلم يجدني؟»(4). ويبدو أَنَّ العدل عمَّ الرعيَّة بحيث كان القاضي يبقى وحيدا لا يأتيه أحد(5).

إنَّ هَذِهِ الأمثلة من القضاء المغربيِّ فيِ عصر الولاة كثيرة ومتنوِّعة تَدُلُّ دلالة قاطعة عَلَى عدل القضاة والتزامهم شرائع الدين الحنيف، فكان العدل

(1) - المالكي: رياض، 1/ 160. الرقيق: تاريخ، 143. يقول الدبَّاغ: «19 سنة». معالم، 1/ 298.

(2) - أبو العرب: طبقات، 108. المالكي: رياض، 1/ 183. الدبَّاغ: معالم، 1/ 242. الجودي: تاريخ قضاة القيروان (مخ) ق 4.

(3) - المالكي: رياض، 1/ 169 - 170. وانظر كَذَلِكَ قِصَّة مماثلة للقاضي عبد الله بن عمر مع الأمير الأغلبيِّ إبراهيم ابن الأغلب فيِ المعالم للدبَّاغ، 1/ 295 - 296.

(4) - أبو العرب: طبقات، 219.

(5) - انظر قِصَّة كهذه لعمر بن الخطَّاب فيِ الفصل التمهيدي، المبحث الثالث.

١٢٨ / ٧٤٣