الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٩السمة البارزة لِهَذِهِ المُؤَسَّسَة خلال هَذَا العصر الذي شهد تأسيسها ووضع ثوابتها.
وَلَعَلَّ من أهمِّ ثوابت القضاء فيِ الإسلام عُمُومًا، وَفيِ بلاد المَغْرِب خُصُوصًا: العلم، إذ يجب عَلَى القاضي أن يكون عالما ملمًّا، يتمتَّع بذهن وقَّاد يدرك به حقيقة الأمور، ويفصل به بين الحقِّ والباطل، ولقد وجدنا فيِ هَذِهِ الفترة المبكِّرة من تاريخ المَغْرِب الإِسْلاَمِي ما يرفع شأنه، ويعلي مرتبته، إذ اتَّجه المغاربة فُرادى وجماعات إلى المشرق، حيث مصادر العلم بالمدينة المنوَّرة، والكوفة والبصرة، لاستزادة العلم من منابعه وأيمَّته آنذاك.
لقد كانت هَذِهِ الفترة فترة التتلمذ بِحَقٍّ عَلَى أعلام الإسلام، أمثال أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (ت145هـ/762)، وأبي حنيفة النعمان (ت150هـ/767م)، ومالك بن أنس (ت179هـ/795م)(1)، كلُّ واحد فيِ مَصر من أمصار المشرق الإسلاميِّ مدرسةٌ لها مكانتها وصيتها عند أتباعها، وإن لم تكن المذهبيَّة قد بلغت شأوها بعدُ، إذ أَنَّ أتباع هؤلاء الأيمة وتلاميذهم فيما بعد هم الذين سوف يؤسِّسون بتعلُّقهم بشيوخهم البذور الأولى للمذهبيَّة الفقهيَّة فيِ الإسلام.
لقد خرج المغاربة، إذن، إلى المشرق يطلبون العلم، وتشاء الصدف أن يكون ثلاثة من قضاة المغرب مستقبلا عند هؤلاء الأيمة الثلاثة فيِ زمن واحد تقريبا، إِذ اجتمع عبد الله بن فروخ بأبي حنيفة فيِ الكوفة، وذاكَره، وكتب عنه نحو عشرة
(1) - أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة تلميذ جابر بن زيد الأزدي إمام الإِبَاضِيَّة وخليفته من بعده، وصاحب مدرسة البصرة الإِبَاضِيَّة، وأبو حنيفة النعمان إمام المذهب الحنفيِّ، ومدرسة الرأي بالعراق. ومالك بن أنس إمام المذهب المالكيِّ ومدرسة الحديث بالمدينة. عنهم انظر: مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب، الدار المصريَّة اللبنانيَّة، القاهرة، 1409هـ/1989م، ط7، ص142 - 144، 391 وما بعدها، 403 وما بعدها.