القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٣٠

آلاف مسألة، ولقي مالكا كَذَلِكَ وسمع منه وتفقَّه(1)؛ وقصد أَبُو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن غانم مالكا فيِ المدينة وصاحبَه وروى عنه، كما رحل إلى الشام والعراق ولقي أبا يوسف تلميذ أبي حنيفة النعمان(2)؛ كما أَنَّ إسماعيل بن درار الغدامسي، أحد حملة العلم الخمسة عند الإِبَاضِيَّة إلى المَغْرِب اسْتَقَرَّ عند أبي عبيدة بالبصرة خمسة أعوام يتعلَّم، وَلَمَّا أراد العودة إلى موطنه سأل شيخه عن ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام قبل أن يستوي عَلَى متن دَابَّته، حَتَّى قال له أبو عبيدة: «أتريد أن تكون قاضيا يا ابن درار؟ فقال له: أرأيت إن ابتليت بها ياشيخ، فابتلي بها»(3).

وتشاء الصدف كَذَلِكَ أَنَّ هؤلاء الأعلام يتفرَّس فيهم شيوخهم تولِّي القضاء بالمغرب وكان ما توقَّعوه فعلا، ولقد رأينا كيف أَنَّ أبا عبيدة خاطب إسماعيل بن درار لَمَّا كان يسأله عن مسائل فيِ الأحكام، كَذَلِكَ قال مالك بن أنس فيِ عبد الله بن عمر بن غانم للحضور فيِ مجلسه: « … هذا قاضي بلده … »(4). وكلاهما تَوَلىَّ القضاء أحدهما بطرابلس للإمام أبي الخطَّاب المعافري، والآخر فيِ القيروان لروح بن حاتم، والي إفريقية.

لقد كان القضاة كَذَلِكَ فيِ هَذِهِ الفترة يكتبون إلى المشرق باستمرار عندما تعضل عندهم مسألة، أو يصعب عَلَيْهِم حكم فيِ خصومةٍ أو غيرها، فكان المراسلون يقصدون المدينة والبصرة والكوفة باستمرار(5) للمجيء بالحكم الحقِّ حرصا عَلَى العدل، ونفورا من الجور.

(1) - الدبَّاغ: معالم، 1/ 240.

(2) - الرقيق: تاريخ، 145. المالكي: رياض، 1/ 215.

(3) - أبو زكرياء: السيرة، 60. البغطوري: سيرة أهل نفوسة (مخ) ق 5. الدرجيني: طبقات، 1/ 21.

(4) - الرقيق: تاريخ، 145. المالكي: رياض، 1/ 217.

(5) - أبو العرب: طبقات، 109. الرقيق: تاريخ، 143. أبو زكرياء: السيرة، 63 - 64. الدرجيني: طبقات، 1/ 24.

١٣٠ / ٧٤٣