الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣١لقد كان المَغْرِب الإِسْلاَمِي فيِ فترة الولاة مدرسة كبيرة من التلاميذ، كانت القاعدة الأساسيَّة لعصر الدولة المستقلَّة التِي سوف يزدهر فيها العلم والعلماء، وتتناظر فيِ أروقتها المذاهب، وتتنافس الدول لبلوغ أرقى درجات العدل والحضارة(1).
وإذا ذكرنا مناقب هؤلاء القضاة الذين طبعوا الحياة بالمغرب بطابع العدل، وضربوا أروع الأمثلة فيِ الاستقامة والعلم، فإنَّ ذَلِكَ لا ينسينا ذكر بعض النماذج عَلَى الأقلِّ من القضاة والولاة الجورة، إذ ذكرت الروايات قاضياً واحدا وُصف بالجور والجهل هو ماتع بن عبد الرحمن الرعيني، يقول عنه أبو العرب كان « … رجلَ سوء … إذا سجَّل القَضِيَّة، وختم فيِ أسفلها، يكتب تحت الطابع: “بقي شَيْء” يعني الرشوة … خلَّف بعد موته طومارا مكتوبا فيه: “إنَّما حكمت لفلان عَلَى فلان لأَنَّ فلاناً سألني فيه” يعني بعض السلاطين»(2) وهو ما يعرف اليوم بالوساطات.
إنَّ هَذِهِ العيِّنة من القضاء الجائر تشير صراحة إلى مسؤوليَّة الولاة فيِ ذَلِكَ، فقد كانوا يتدخَّلون فيِ عمل القاضي إذا وجدوه ضعيفا مثل ماتع هَذَا، ويبدو أَنَّ الوالي يزيد بن حاتم عَزل(3) عبد الرحمن بن زياد بن أنعم القاضي الأسبق الذي عيَّنه الخليفة أبو جعفر المنصور بنفسه، عزله بعد وفاة المنصور سنة 158هـ/774م، لأَنَّهُ كان ذا شخصيَّة قويَّة، ولم يكن يرضى بتدخُّل الولاة وحاشيتِهم فيِ شؤون القضاء، فوجد ضالَّته فيِ ماتع بن عبد الرحمن الذي أجمعت المصادر(4) أَنَّهُ كان جائرا.
(1) - انظر عن العلم: المبحث الأَوَّل فيِ الفصل الأَوَّل من الباب الثاني. وعن المذهبيَّة: المبحث الثاني من الفصل الأَوَّل من الباب الثالث.
(2) - أبو العرب: طبقات، 104.
(3) - اختلف الرواة فيِ عزله أو انعزاله. انظر: المالكي: رياض، 1/ 159 - 160. الدبَّاغ: معالم، 1/ 234.
(4) - أَبُو العرب: نفسه، 104 - 105. المالكي: رياض، 1/ 159. الجودي: تاريخ (مخ) ق3.