الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣٧علمائها، ولم يجمع فيِ نهاية المطاف إِلاَّ نزرا يسيرا، الأمر الذي لم يساعدنا عَلَى تقصِّي قضاء هَذِهِ الدولة، لأَنَّ القضاة فيِ نهاية الأمر هم العلماء والفقهاء، وما دمنا لا نعرف حقيقة الحياة الثَّقَافِيَّة وَالْعِلْمِيَّة فيِ سجلماسة فَإِنَّنَا تبعا لِذَلِكَ لا نصل إلى حقيقة القضاء تأسيسا أو تطوُّرا، عدلا أو جورا حَتَّى تكتشف مصادر جديدة إن كانت هناك مصادر(1)؛ إذ من المعروف أَنَّ ما وصلنا من تاريخ بني مدرار لم يصلنا عن طريق علماء مذهبهم، وَإِنَّمَا جُمع من هنا وهناك من مصادر غير مَدْرَارِيَّة وغير صُفْرِيَّة، فأين هي المصادر الأصيلة لِهَذِهِ الدولة؟.
ولكي لا نترك الأمر هكذا معلَّقا لاَ بُدَّ من التخمين الذي قد نلامس به شيئا من القضاء عند بني مدرار، وَأَوَّلُ ذَلِكَ نستشفُّه من عمل عيسى بن يزيد الأسود (140 - 155هـ/ 757 - 771م) مؤسِّس الدولة المدراريَّة الذي أشرف بنفسه عَلَى تقسيم مياه سجلماسة عَلَى سكان المدينة، وبقدر موزون، وصرف إلى كُلِّ ناحية نصيبها(2)، فَهَذَا العمل يوحي لنا أَنَّ الإمام كان قاضيا فيِ آن، بخاصة وَأَنَّهُ أَوَّل إمام لِهَذِهِ الدولة، فلَعَلَّهُ لم يعيِّن القاضي، إذ المجتمع صغير، والإمامة فتيَّة، وأهمُّ من ذَلِكَ كُلِّه هو أَنَّ الإمام عيسى بن يزيد هَذَا هو «صاحب عكرمة مولى ابن عَبَّاس»(3)، أحد الأعلام البارزين فيِ الإسلام، وأحد أيمة المذهب الصفريِّ ببلاد المَغْرِب(4)، فلا غرابة إذن فيِ هَذِهِ البداية أن يغيب القاضي ما دام الإمام الأَوَّل بهذا المستوى من العلم، فلعلَّه جلس للقضاء تماما مثلما جلس له عبد الرحمن بن رستم في تيهرت بعد ذلك ابتداء من عام 160هـ/777م، وإدريس الأوَّل ابتداء
(1) - محمود إسماعيل: الخوارج، 83.
(2) - ابن الخطيب: أعمال الأعلام، 3/ 140. شنايت: دولة بني مدرار، 41.
(3) - السجلماسي: تقييد فيِ التعريف بمدينة سجلماسة، (مخ)، ق 1.
(4) - عن ترجمته انظر: المالكي: رياض، 1/ 145 - 146. ابن خلِّكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق إحسان عَبَّاس، دار الثقافة، بيروت، بلا. تا. 3/ 265 - 266. الدرجيني: طبقات، 1/ 11.