القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٤٢

لقد تَوَلىَّ راشد مهمَّة القضاء، فكان يقضي بكِتَابِ الله وسنَّة رسوله(1)، ألم يكن أستاذ سَيِّده إدريس الثاني بن إدريس الأَوَّل؟ فهو الذي علَّمه «العلوم العَقلِيَّة والنقليَّة من فقه وحديث وتفسير ولغة وبلاغة وغيرها، حَتَّى علوم السياسة … »(2)، فَهَذَا المولى البربريُّ كانت له المؤهِّلات الكافية ليقوم بمسؤوليَّة القضاء أحسن قيام، ويؤدِّيها طيلة إحدى عشرة سنة أداء جَيِّدًا ليردَّها بعد ذَلِكَ إلى من كانت تنتظره الرعيَّة من السلالة الإدريسيَّة الأشراف إدريس الثاني، وَذَلِكَ عام 188هـ/804م، بعدما كبر وبلغ الحلم فيِ تمام الحادية عشر من عمره.

إنَّ هَذَا الإمام الإدريسيَّ الثاني هو المؤسِّس الحقيقيُّ للدولة الإدريسيَّة، فهو الذي بنى مدينة فاس، وَاتَّخَذَها عاصمة مملكته، وإليه تنسب الإنجازات الضخمة(3)، ومنها تنظيمه لجهاز الدولة الإداري بعد أن بقي مُدَّة عام يقوم بأمر الناس مع من يعينه من البربر من غير وزير ولا كاتب ولا قاضٍ.

إِنَّهُ مثل سلَفَيه أبيه ومولى أبيه، جلس للناس عاما يقضي بينهم فيِ خصوماتهم ومعاملاتهم(4) حفاظا عَلَى النظام العامِّ والوئام الذي يجب أن يكون بين أفراد الرعيَّة البربريَّة المعروفة بصعوبة انقيادها ومراسها. وَلَمَّا وفدت عَلَيْهِ وفود العرب بِإفريقية والأندلس سنة 189هـ/804م سُرَّ بها أيَّما سرور، لأَنَّهَا قدمت فيِ الوقت المناسب، فناب عنه فيِ جميع الوظائف الإداريَّة «وقام هو بمصالح الملك وسياسة الرعايا، وجهاد العدوِّ ووظائف الجنود والعساكر

(1) - الناصري: الاستقصا، 1/ 160. وانظر: ابن أبي زرع: الأنيس، 24. الحلبي: الدرُّ النفيس، 8.

(2) - السنوسي: الدرر، 65. وانظر: زغلول: تاريخ، 2/ 439.

(3) - ابن الأبَّار: الحلَّة، 1/ 53 - 56. ليفي بروفنصال: الإسلام فيِ المَغْرِب والأندلس. ابن أبي زرع: الأنيس، 25 وما بعدها. الجزنائي: جني زهرة الآس، 15 وما بعدها. الناصري: الاستقصا، 1/ 161 وما بعدها.

(4) - الحلبي: الدرُّ النفيس، 207، 272. وانظر: سعدون عَبَّاس: دولة الأدارسة، 98.

١٤٢ / ٧٤٣