القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٤٣

ونحو ذَلِكَ»(1). وهكذا ينظِّمُ إدريس الثاني الجهاز الإداريَّ للدولة، فيستحدث الوزارة وَالكِتَابة لأوَّل مَرَّة، ويقوم «بخلق منصب للقضاء، فقد استقضى … »(2) رجلا من بين أولئك العرب الوافدين عَلَيْهِ، وَهُوَ أَوَّل قاض يعيَّن فيِ هَذِهِ الدولة إذ لا نعلم أَنَّ إدريس الأَوَّل أو مولاه راشدا عيَّنا قاضيا فيِ جهة من جهات دولة الأدارسة إطلاقا …

إنَّ عناية إدريس الثاني بالقضاء نابعة من سياسته الدِّينِيَّة، وحرصه عَلَى إعطاء الصبغة الدِّينِيَّة لدولته، وبالتالي إحكام المركزيَّة وتوطيدها، وَهُوَ ما تحقَّق له فعلا عَلَى عهد إمامته، ويذكر الأستاذ إبراهيم حركات أَنَّهُ عندما قدمت هَذِهِ الطائفة من «العرب عَلَى إدريس الثاني عيَّن منهم عددا كبيرا من الموظَّفين المركزيِّين والإقليميِّين من قضاة وجباة وغيرهم» إِلاَّ أَنَّهُ لا يشير إلى مصادره إذ أَنَّ كلَّ المصادر تتحدَّث عن الموظَّفين المركزيِّين لا غير، أَمَّا فيِ الأقاليم فلم ترد إشارة إِلَيْهِم إطلاقا ولو عابرة، مع أَنَّنَا نرجِّح ذَلِكَ ونوافقه الرأي.

لقد عيَّن إدريس الثاني قاضيا فيِ دولته الفتيَّة، كما أسلفنا، وَهُوَ عامر بن محَمَّد بن سعيد القيسي، الذي أطنبت الروايات فيِ ذكره وذكر علمه، إِلاَّ أَنَّهَا كلَّها متشابهة متطابقة، لا تزيد إحداها عن الأخرى في شيء. فمن يكون هَذَا القاضي الأَوَّل والوحيد ذكراً فيِ دولة الأدارسة؟ يقول عنه ابن أبي زرع الذي اقتبس عنه الجميع من بعده إِنَّهُ «عامر بن محَمَّد بن سعيد القيسي، من قيس عيلان، وكان رجلا صالحا ورعا فقيها، سمع من مالك وسفيان الثوريِّ(3)، وروى

(1) - الحلبي: الدرُّ النفيس، 207.

(2) - محَمَّد صدقي: الأدارسة، أطروحة، 1/ 186. وانظر: سعدون عَبَّاس: الأدارسة، 171.

(3) - سفيان الثوري هو سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب، لقِّب بالثوريِّ، ولد سنة 69هـ/688م، وتوفِّي بالبصرة سنة 161هـ/777م، كان إماما عالما مشهورا فيِ علم الحديث، وَهُوَ أحد الأيمة المجتهدين. انظر: ابن خلِّكان: وفيات، 2/ 386 وما بعدها.

١٤٣ / ٧٤٣