القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٤٥

والأفارقة الذين كانوا له بطانة وحاشية، دون البربر، عَلَى حدِّ تعبير ابن خلدون الذي يختم قائلا: «واستفحل بهم سلطانه … »(1).

نعم، لقد قويت الدولة الإدريسيَّة بِهَذِهِ الأجهزة الإداريَّة، وبخاصة منها جهاز القضاء المتمثِّل فيِ شخص القاضي العالم المحدِّث المجاهد عامر بن محَمَّد بن سعيد القيسي، فلا ريب أَنَّ علمه جعل منه قاضيا عادلا، ولا أدلَّ عَلَى ذَلِكَ من عدل الإمام إدريس الثاني، واستقرار أوضاع الدولة فيِ عهده، وهي إحدى ثمرات القضاء العادل.

إنَّ هَذِهِ الدولة القَوِيَّة، وَهَذِهِ السلطة المستفحلة سرعان ما تدهورت وانهارت، إذ لَمَّا توفِّي إدريس الثاني سنة 213هـ/828م خلفه ابنه محَمَّد (213 - 221هـ/828 - 835م)(2) الذي لم يكن عَلَى ما يبدو مثل أبيه فيِ القُوَّة وحسن التدبير، فإن كان أبوه وحيد جدِّه فَإِنَّهُ كان هو أَوَّل أبناء أبيه الذي ترك معه عشرة إخوة تقاسم معهم الملك، فاكتفى هو بمدينة فاس عاصمة بلاده، فتنازعوا أمرهم بينهم وذهبت ريحهم، والغريب أَنَّ الروايات التَّارِيخِيَّة تبرِّر هَذَا التقسيم، وتقول بِأَنَّهُ كان نصيحة من كنزة جدَّة محَمَّد بن إدريس الثاني(3)

(1) - العبر، 4/ 26. يذكر محقِّقا كِتَاب الناصري بِأَنَّ الجهاز الإداريَّ «هو أَوَّل تنظيم عرف للمخزن (الحكومة المغربيَّة) والمخزنيَّة فيِ التاريخ بالمغرب الأقصى». انظر: الاستقصا، 163 هامش1. وانظر: إبراهيم حركات: 1/ 126. محمود إسماعيل: الأدارسة، 68 - 69.

(2) - بعد محَمَّد بن إدريس الثاني تَوَلىَّ صبي الحكم وَهُوَ علي بن محَمَّد بن إدريس II (221 - 234 هـ/ 835 - 848م) الذي يذكر ابن أبي زرع أَنَّهُ تَوَلىَّ وعمره تسع سنوات، سار بسيرة أبيه وجدِّه فيِ العدل والحزم وإقامة الحقِّ. انظر: الأنيس، 53. فلا شَكَّ أَنَّ هؤلاء الأيمة الصبيان إِنَّمَا يَتَوَلىَّ شؤونَهم وزراؤُهم وقضاتُهم، وَهَذَا يُؤَكِّدُ وجود القضاة للإشراف عَلَى شؤون الرعيَّة فيِ خصوماتها، ووجود الوزراء لتسيير دواليب الحكم.

(3) - ابن الخطيب: تاريخ المغرب العربي، 202 وما بعدها. ابن الأبَّار: الحلَّة، 1/ 132. ابن خلدون: العبر، 4/ 27 - 28؛ 6/ 447. محمود إسماعيل: الأدارسة، 79 وما بعدها.

١٤٥ / ٧٤٣