الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٤٨وحيث إنَّ الحضارة الإدريسيَّة فيِ عهد إمامها إدريس الثاني بلغت درجةَ تعيين الوزراء والكتَّاب والقضاة، فَإِنَّنَا نقول: وإن سكتت المصادر عن ذكر قضاة آخرين فيِ مدينة فاس، العاصمة الإدريسيَّة بعد القاضي عامر بن محَمَّد لا يُعقل أن يكون هو الأَوَّل وَهُوَ الأخير، بل لاَ بُدَّ أَنَّ الأيمَّة الأدارسة عيَّنوا قضاة آخرين فيِ عاصمتهم، ثُمَّ لاَ بُدَّ أَنَّ الأمراء الأدارسة عيَّنوا قضاة من جانبهم فيِ ولاياتهم لإقامة العدل، وردع الظالم، ونصرة المظلوم، والمفروض أَنَّ هناك قاضيًّا فيِ مسجد كُلِّ ولاية عَلَى الأقلِّ، ألم تكن المساجد موجودة؟ ألم يكن الفقهاء موجودين؟
إنَّ دولة قُتل أَوَّل أيمَّتها وَلَمَّا يستقرَّ الاستقرار النهائيَّ من تعب الرحلة من المشرق، وحَكَمَها مولى لمدَّة إحدى عشرة سنة، ثُمَّ صبيٌّ لا يتجاوز عمره الإحدى عشرة سنة أَيضًا، ثُمَّ تقسَّم الدولة بين الإخوة الأعداء، ويحكمها من بين من حَكَمها صبيٌّ لا يتجاوز عمره تسع سنوات، هَذِهِ الدولة لا شَكَّ أَنَّهَا لا تبني حضارة ذات بالٍ، ولا تترك نظاما. وأعتقد أَنَّهُ لولا رجوع أيمَّتها فيِ نسبهم إلى الدوحة المحمَّديَّة ما تَرك لها ولهم التاريخ شيئا من ذكرٍ، وما تناولهم المُؤَرِّخُونَ بالاهتمام، ولكانوا مثل دولة صالح بن طريف، أو برغواطة فيِ الاهتمام، ولولا إنجازات إدريس الثاني التي لم يذكرها المُؤَرِّخُونَ إِلاَّ بالقدر الذي يهمُّ الإمام دون الرعيَّة ما بقي لدولة الأدارسة أثر. فالتقسيم، كما يقول إبراهيم حركات(1)، هو أَوَّل مظاهر السقوط ومراحله، ولقد كان مبكِّرا كما رأينا، ودلَّ عَلَى عدم مَقدرة البيت الإدريسيِّ إيجاد قُوَّة قادرة عَلَى تحقيق هدفِهم الرئيسيِّ الذي حارب الآباء والأجداد من أجله(2)، فمال الخلف إلى الركود والقناعة، وانقلب البعض عَلَى البعض
(1) - المَغْرِب عبر التاريخ، 1/ 120.
(2) - عبد المقصود باشا: الرستميُّون صفحة رائعة من التاريخ الجزائريِّ، بلا معلومات الطبع والنشر، وهران، ط1، 1409هـ/1989م، ص100 - 101.