القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٥٠

فقرات من تشريعاتها ننوي الإشارة إليها فيِ الباب الثالث نتناول التشريع القضائيَّ ببلاد المغرب وندرسه دراسة مقارنة بين المذاهب الحاكمة فيِ المغرب.

إنَّ الذي أريد أن أصل إِلَيْهِ فيِ هَذِهِ الإشارة إلى هاتين الدولتين هو أَنَّهُ مثلما رأينا القضاء عند المدراريِّين والأدارسة لم يكن بارزا، ولم يتحدَّث عنه المُؤَرِّخُونَ، ولم يولوه كبير اهتمام، كَذَلِكَ الحال بالنسبة لبرغواطة وبني صالح، فلا نملك أدنى إشارة إلى وجود قضاة فيِ هاتين الدولتين، وإن كُنَّا لا نستبعد وجود القضاء، ويظهر لنا أَنَّ غياب أشخاص هَذِهِ المُؤَسَّسَة يعود بالدرجة الأولى إلى غياب الجانب الثقافيِّ لهاتين الدولتين، بل لدول المغرب الأقصى فيِ هَذِهِ الفترة عُمُومًا، إذ أَنَّ الفقهاء والعلماء هم عمدة القضاء ومادَّته، فإذا كان لبرغواطة مبرِّراتها فهي دولة بربريَّة بدوية بعيدة كلَّ البعد عن الثقافة والعلم والعلماء، فأيُّ تبرير نجده لدول مثل الأدارسة والمدراريِّين وبني صالح؟

لقد قلنا احتمالا: إنَّ ولاة الأمور من الأيمَّة والأمراء والولاة فيِ هَذِهِ الدول ربَّما كانوا يتولَّون مُهِمَّة القضاء فيِ أحوازهم، لأَنَّ هَذِهِ المُؤَسَّسَة تنشأ مع نشأة الكيان السياسيِّ، وتدخل ضمن البيعة التي كان الرعاة يطالبون بها رعاياهم، فالرعيَّة تبايع إمامها عَلَى السمع والطاعة والانقياد والحكم بما أنزل الله تحليلا للحلال وتحريما للحرام.

وإذا كُنَّا قد رأينا أَنَّ أربع دول قامت ببلاد المغرب الأقصى، وتوزَّعته فيما بينها وتقاسمته، لا نعرف من قضائها وقضاتها إِلاَّ اسم قاض واحد فقط، فلا شَكَّ أَنَّ هَذَا الأمر شاذٌّ جِدًّا بخاصة وَأَنَّ الفترة موضوع الدراسة، وهي القرنان الثاني والثالث للهجرة/التاسع والعاشر للميلاد هي فترة الازدهار الثقافيِّ والنشاط التجاريِّ وما يتبع ذَلِكَ من مظاهر وظواهر.

أمام هَذَا الصمت التاريخيِّ تجاه هَذِهِ المُؤَسَّسَة الدِّينِيَّة الإِنسَانِيَّة الضروريَّة، لا يسعنا إِلاَّ أن نقول إنَّ القضاء الرسميَّ التابع للإدراة المركزيَّة غاب مع التاريخ لكن بقي بدون شكٍّ القضاء الذي يمكن أن

١٥٠ / ٧٤٣