القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٥٩

لقد كان المجتمع التيهرتي واعيا لَمَّا شعر بضرورة الإمام، الذِي من مهامه العليا إنصاف المظلوم من الظالم، والعودة إليه في الأحكام، وتلك مهام القاضي التي تولاّها عبد الرحمن بن رستم، أَوَّل إمام للدَّولة الرُّسْتُمِيَّة، فكان الإمامَ وكان القاضيَ، «وجلس في مسجده للأرملة والضعيف ولا يخاف في الله لومة لائم»(1) إِنَّهُ القاضي الأعلى.

إنَّ هَذِهِ الفترة المبكرِّة من عمر الدولة، فترة التأسيس من العدم، إِن صحَّ التعبير، إذ لم يسبق الرُّستميِّين كيان سياسي إسلامي في إقليمهم بالمغرب الأوسط، مثلهم في ذلك مثل المدراريين والأدارسة في المغرب الأقصى، كثيرا ما رأينا الأيمَّة هم الذِين يتولَّون القضَاء ضمن مهام الإمامة، ألم يكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حاكما وقاضيا؟ ثُمَّ ألم يكن الخلفاء الراشدون الأوائل حكَّاما وقضاة؟(2).

لقد وضعت إذن مع إمامة عبد الرحمن بن رستم بذرة القضَاء في الدولة الرُّسْتُمِيَّة، وإن كان ضمن مهام الإمامة، فسوف نرى كيف يفصَل عنه تدريجيًّا عندما تكثر مشاغل الإمام، ويتطلَّب المجتمع مع تطوُّره، قاضيا مستقلا يهتمُّ بما يهتمُّ به القضَاة لا غَير.

إنَّ المجتمع الرستميّ تطور بسرعة إذ بعد ثلاث سنوات، جاء وفد من المشرق للمرَّة الثانية وكان قد زار تيهرت في مرحلة التأسيس «فوجدوا الأمور قد تبدَّلت وأحوال المدينة والأشياء قد حالت، وذلك أنَّهم نظروا إلى قصور قد بنيت، وإلى بساتين قد غرست، وإلى أرحاء قد نُصبت، وَإلى خيول قد رُكبت، وَإلى حفدة قد اتَّخذت السور والعبيد، والخدَّام قد كثرت»(3).

(1) - نفسه، 28. وانظر: الجنحاني الحبيب: المغرب الإِسْلاَمِي، الحياة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة (3 - 4هـ/ 9 - 10م)، الدار التونسيَّة للنشر، ش. و. ن. ت، تونس الجزائر، 1398هـ/ 1978م. 121.

(2) - انظر: المبحث الرابع من الفصل التمهيدي.

(3) - ابن الصغير: أخبار، 33.

١٥٩ / ٧٤٣