الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٦٠إنَّ هَذَا التطوُّر السريع(1) لا يحدث دون أَن يفرز علاقات اجتماعية جديدة، ومعاملات شائكة ومصالح متضاربة، وكل ذلك يقتضي وجود المنافسات والمنازعات والخصومات، ومن هنا وجب وجود قضاة غَير الإمام، يتولَّون فضَّ النزاع وإيضاح ما أبهم عَلَى الخصمين أو عَلَى المتنافسِين، وغيرها من المشاكل والمتطلَّبات التي هي من صميم عمل القضَاة.
ويربط مُؤَرِّخ الرستُميّين بين هَذَا التطوُّر السريع، وبين دور القضاء فيقول: « … والبلد زائد عمارتها في ذلك كله، والسيرة واحدة، وقضاته مختارة، وبيوت أمواله ممتلأة … »(2).
إنَّ ابن الصغير يتحدَّث هنا عن عبد الرحمن بن رستم وعهده الذِي شهد هَذه التطوُّرات، وسيرته العادلة التي بقيت واحدة لم تتغيَّر بتغيُّر الظروف، ولكن الغريب أنَّه يتحدَّث هنا أَيْضًا عن قضاة لعبد الرحمن، وليس قاضيا واحدا، «فقضاته مختارة»، ولقد أعاد ذكر «القضاة» بصيغة الجمع، لَمَّا تحدَّث عن مصدر أرزاقهم فقال بأنَّ عبد الرحمن « … ينظر إلى ما اجتمع من مال الجزية وخراج الأرضين وما أشبه ذلك، فيقطع لنفسه وحشمه وقضاته وأصحاب شرطته والقائمين بأمورهم ما يكفيهم في سنَتهم … »(3).
لقد كان القضاة عديدين إذن، منذ عهد مؤسِّس الدولة الرستُميَّة (160 - 171هـ/ 777 - 787م) فهل كان هؤلاء القضاة في تيهرت العاصمة فقط أم كانوا في العاصمة وخارج العاصمة؟.
لا نجد الجواب عند ابن الصغير، ولا عند أحد من مؤرخي الإِبَاضِيَّة، وكأنَّ
(1) - إحسان عبَّاس: المجتمع التاهرتي في عهد الرُّسْتُمِيِّين، مقال بمجلة الأصالة، ع. 45. ص23 - 24.
(2) - ابن الصغير: أخبار، 35.
(3) - نفسه، 36.