الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٦٩الرستمية، واستمرَّ الأمر هكذا إلى منتصف القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي عندما أصبح هؤلاء الولاة يعينون قضاة من قِبلهم ضمن أقاليمهم، وقد تعدّدت وتنوَّعت تلك الأقاليم، ففي الغرب يتحدَّث ابن الصغير عن تلسمان وعمَّا حول البلد تيهرت دون تحديد جغرافي دقيق تماما مثلما فعل معاصره اليعقوبي لمَّا تحدَّث عن البلد العظيم الذي ينسب لتيهرت الرستميَّة دون أن يذكر أحدا من الولاة بعكس ما فعل مع الإمارات المستقلَّة العلويَّة قبل ذلك وبعد وذلك(1). وهذا السكوت هو الذي ألجأنا إلى التخمين واستنطاق النصوص. أمَّا في الشرق والجنوب فقد رأينا الولاة القضاة ثمَّ القضاة في كلّ من وارجلان وجبل نفوسة وقابس وجربة وفزَّان وقسطيليَّة وقنطرار وقفصة(2) وغيرها من المدن والقرى.
لقد استطاع القضاء على عهد الرستميين أن يؤكِّد وجوده بمختلف مناطق المغربين الأوسط والأدنى، إلى حدٍّ ما، ووجدناه في مدن كبيرة وعريقة وفي قرى متوسِّطة وصغيرة، وتبقى البوادي، لا تتوفَّر على القضاة وإنَّما كانت تحيل قضاياها وخصوماتها، إمَّا إلى القضاة بالمراكز الحضريَّة أو إلى أعرافها القبليَّة، ويبدو أنَّ الأمر ظلَّ هكذا مستمرَّا إلى ما بعد عهد الموحدين حسبما يؤكِّده الأستاذ محمَّد مغرواي في أطروحته(3)، وهو أمر طبيعي تقتضيه الظروف السياسيَّة والمذهبيَّة والقبلية ثمَّ الجغرافيَّة.
(1) - ابن الصغير: أخبار، 35. اليعقوبي: البلدان، 353.
(2) - جناو بن فتى وعبد القهار بن خلف: أجوبة علماء فزَّان، 12، 31، 105. أبو زكرياء: السيرة: 137. البغطوري: سيرة، (مخ) ق24. الشمَّاخي: سير، 195، 301 - 305. وانظر عن المدن محمود مقديش: نزهة الأنظار. 104 - 151.
(3) - مغراوي محمَّد: مساهمة في دراسة النظم بالمغرب الإسلامي خطَّة القضاء بالمغرب في الدولة الموحِّديَّة 515 - 668هـ/1121 - 1269م، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا في التاريخ، إشراف الدكتور محمَّد زنيبر، كلِّية الآداب والعلوم الإنسانيَّة جامعة محمَّد الخامس، 1986 - 1987، ص5.