القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٧

والقضاء بارتباطه بالرعية شديد التأثير عليها، بل ينفعل ويتفاعل معها.

والقضاء ظلَّ متميِّزا بشخصية قوية تؤثِّر في الراعي كما تؤثِّر في الرعية في كثير من الأحيان.

والقضاء هو الذي يراقب العدل ويحرسه، بل هوالذي يوفِّره وينتجه إن التزم حدوده، وهو الذي ينشر الجور إن تردَّى في مهاوي الفجور، ولم يرع حدوده.

فالقضاء هو خاصَّة: العدل والجور، به تستقيم حياة الأمم وترقى، وبه تنحرف وتشقى.

فما أحوج أمتنا اليوم إلى دراسة تاريخ القضاء عادله وجائره، عبر عصورها التاريخية الطويلة، لرصد مواطن القوَّة ومواطن الضعف، واكتشاف الخلل والزلل، وأثر القضاء في ذلك.

لقد حفظ لنا التاريخ مقولة بديعة من إحدى الحضارات السابقة للإسلام، نسبوها لأرسطو فيلسوف الإغريق، كما نسبوها لكسرى ملك الفرس: «العالَم بستان سياجه الدولة، والدولة سلطان يعضده الجيش، والجيش جند يجمعهم المال، والمال رزق تجمعه الرعية، والرعية عبيد ينشئهم العدل، والعدل مألوف وبه قوام العالم»(1). «وقد اتفقت شرائع الأنبياء وآراء الحكماء والعقلاء أنَّ العدل سبب لنموِّ البركات، ومزيد الخيرات، وأنَّ الظلم والجور سبب لخراب الممالك واقتحام المهالك، ولا شكَّ عندهم في ذلك»(2).

لقد اخترتُ موضوع القضاء انطلاقا من هذه المعطيات، فضلا عن أنَّه موضوع بكر، لم يخصِّص له الدارسون الأكاديميون دراسة مستقلَّة مستفيضة، مركَّزة على القرون الأولى للإسلام في بلاد المغرب، وشعرتُ بفراغ هذه الحلقة من

(1) - ابن جماعة: تحرير الأحكام، ص70. ابن الأزرق: بدائع السلك، 1/ 229.

(2) - ابن جماعة: نفسه، ص70.

١٧ / ٧٤٣