الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧١حسن الضيافة والاستقبال عند البربر، كانت تمثِّل بالنسبة لهم المعلِّمين المرشدين، والفقهاء العلماء، والحكام القضاة، فالبربر في هذه الفترة لا يزالون يبحثون عن معرفة حقيقة الإسلام ولا يزالون بحاجة إلى من يسوسهم بالدين الجديد، ويحكم فيهم بما أنزل الله، وبالتالي فإنَّ أولئك الأمراء والرجال من العرب والبربر كانوا يتولَّون قضاء تلك الأقاليم التي طاب لهم المقام فيها بما أتوا من علم وشرف.
وممَّا يؤكِّد هذا التخمين ما روته المصادر الشيعيَّة عن كتامة التي سأل أبو عبد الله الشيعي بعض حجَّاجها عن إقليمهم والسلطان عليهم، وإلى من يرجع أمرهم؟ فكان جوابهم «لكل رجل منَّا في نفسه عزيز، ولنا أكابر منَّا في كلّ قبيلة، وعندنا قوم نظروا في شيء من العلم ومعلِّمون نستفتيهم في أمر ديننا، ونتاحكم إليهم فيما يكون بيننا، فمن حكموا عليه لزم نفسه ما ألزموه، وإن عَنَد عن ذلك قامت الجماعة عليه … »(1).
إنَّ هذا النص المعبِّر يختصر لنا الطريق اختصارا كبيرا ويؤكِّد لنا الكثير من التخمينات التي سبق ذكرها في هذا الباب، لقد ثبت إذن أن بعض القبائل البربريَّة، وبعض المناطق البعيدة عن السلطة المركزيَّة في تهيرت أو فاس أو القيروان، مثلها مثل الكتاميين، «يعيشون في إطار تقاليدهم القبليَّة التي تخصِّص مكانة هامَّة للعلماء والكبراء باعتبارهم عناصر للاحتكام»(2)، لقد كان الدكتور لقبال موسى دقيقا في ملاحظته لمَّا رأى أنَّ القبائل البربريَّة تخصِّص مكانة هامة للعلماء والكبراء، لا شيء إلاّ لاعتبارهم عناصر للاحتكام.
وتبقى السلطة المركزيَّة تعترف بهذه الكيانات وبما يصدر عن متولِّي قضائها من أحكام أو لا تعترف أمرا ثانويا ما دام القوم قد شعروا بالاستقلال الجزئي أو