القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٧٢

الكلِّي كلّ في إقليمه أو في إطار قبيلته. ويبدو أنَّ هذه المجموعات شبه المستقلَّة كانت كثيرة ووجدت منذ وقت مبكِّر، ولقد رأينا نماذج عنها في المغرب الأقصى وجدت منذ منتصف القرن الثاني الهجري، أمَّا في المغرب الأوسط والأدنى حيث السلطة الرستميَّة، فإنَّ الأمر يبدو أنَّه بدأ منذ عهد الإمام الثاني عبد الوهَّاب مع أوائل القرن الثالث الهجري، واستمر إلى أن أكَّدته رحلة اليعقوبي إلى بلاد المغرب مثل ما رأينا.

ويبدو أنَّ الرستميين كانوا يرفضون لأتباعهم من الإباضيَّة التحاكم بمثل هذه الطريقة، وإنَّما كانوا يشترطون القاضي الذي ولَّوه القضاء، نفهم ذلك من جواب الإمام عبد الوهَّاب في كتابه مسائل نفوسة إذ يقول: « … إنَّما الحكم لمن وُلِي الحكم، فما اعتدل عنده في ما اختلَف فيه المسلمون في رأيه، فحكَم بِهِ بعد اجتهاد منه في الرأي فحُكمه جائز، وإن كان مِمَّن لم يل الحكم فليس له أن يحكم إلاَّ بما حكم بِهِ الإمام»(1).

هكذا إذن وجد مثل هؤلاء القضاة الذين يحكمون دون تعيين من الإمام، كانوا في عهد القوَّة والسلطان الرستميِّ، عهد الإمام عبد الوهَّاب (171 - 208هـ)، ولا شكَّ أنَّ الانشقاقات التي أصابت الإباضيَّة الأمّ في هذه الفترة(2)، كانت السبب في بروز مثل هذه الجيوب المعارضة للسلطة المركزيَّة. كان ذلك في المغرب الأدنى بجبل نفوسة الممثِّل القوى للرستميين هناك، أو بالمغرب الأوسط حيث السلطة المركزيَّة بتيهرت.

مجمل القول: إنَّ تاريخ القضاء عند الرستميين يبدو إلى حدٍّ ما واضح المعالم، احتفظت لنا المصادر المختلفة من الإباضيَّة وغير الإباضيَّة ببعض جوانبه المهمَّة،

(1) - عبد الوهَّاب: مسائل نفوسة، 193.

(2) - عن هذه الانشقاقات انظر ابن الصغير: أخبار، 37 - 45. بحاز ابراهيم: الدولة الرستميَّة، 116 وما بعدها، 330 وما بعدها.

١٧٢ / ٧٤٣