الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٠لقد رأينا أنَّ القضاة يختارهم الإمام وجماعة أهل الحل والعقد(1) يتحرّون في اختيارهم هذه الشروط التي وضعها الإمام الثاني للرستميين في وقت مبكر من تارخ هذه الدولة، وكان أهل الحل والعقد يُعرفون بالشراة، أي الذين اشتروا آخرتهم بدنياهم، تخلَّوا عن الدُّنيا وعاهدوا الله على إنكار المنكر والأمر بالمعروف بدون مبالاة ولا خوف من الموت(2)، فهؤلاء الشراة كانوا يختارون القاضي بعد التشاور(3) مع الإمام أو الوالي في ولايته وكانوا يقومون بمراقبته مراقبة شديدة ومن أمثلة ذلك كتاب أحد هؤلاء الشراة إلى عبد القهار بن خلف يطلبه فيه مراقبة قاضي شباهة بفزَّان، فكان الجواب «اعلم أنَّ كتابك وصل إليَّ تذكر فيه أن أكون لك عينا على قاضي “شباهة” وأنَّ ما رأيت منه من خير أو من شرٍّ أعلمتك بذلك في سرٍّ، وقلتَ وخذ بحظِّك من الإسلام ولا تستغن عن أموره، فإنَّ المؤمنين يشدُّ بعضهم بعضا كالبنيان … فقد قرأت كتابك وفهمته»(4).
إنَّ هذه المشورة في اختيار القضاة وهذه الرقابة في العاصمة تيهرت أو الولايات حتَّى البعيدة منها ظلَّت مستمرَّة منذ عهد الإمام الأوَّل إلى الإمام الأخير، فآخر قضاة الرستميين بنفوسة وهو عمروس بن فتح المقتول بمانو سنة 283م/896م، كان صارما قويًّا في الحقّ، قال لأبي منصور إلياس والي ولاية نفوسة، «إن لم تأذن لي بثلاثة (كذا) يا إلياس فخذ خاتمك عنِّي: قتل الطاعن في دين المسلمين ومانع الحقّ والدالُّ على عورات المسلمين»(5). ومع هذا فإنَّنا نجد ابن
(1) - ابن الصغير: أخبار، 35، 49، 77، 101.
(2) - الباروني: الأزهار، 2/ 210.
(3) - جودت عبد الكريم: الأوضاع الاقتصادية، 278. محمود إسماعيل: سوسيولوجيا الفكر الإسلامي، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط3، 1408هـ/1988م، 103.
(4) - جناو بن فتى وآخر: أجوبة علماء فزَّان، 105. وانظر عن شباهة بفزَّان ليبيا: مقدِّمة المحقِّق، 12،17 وخاصَّة الصفحة 40.
(5) - أبو زكرياء: السيرة، 146. الدرجيني: طبقات، 2/ 321.