القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٨١

تاويت الطنجي يقول «بعد ما كان عبد الرحمان يختار لدولته … ذوي المقدرة والكفاءة من الرجال المتَّصفين بالعدل والإنصاف، صرنا نجد عبد الوهَّاب لا يهمُّه من هذا كلِّه إلاَّ ما كان فيه تدعيم لدولته التي قبض على ناصيتها بكلتا اليدين»(1).

إنَّ هذا الحكم على عهد عبد الوهَّاب، ومن جاء بعده، لا أراه مصيبا، فكثيرا ما يقع في مثله بعض المتسرِّعين من الدارسين.

نعم، لقد كان الإمام عبد الوهَّاب قويا، قبض على ناصية دولته بكلتا اليدين، ولكن ظلَّ اختيار القضاة على عهده وعهد الرستميين من الرجال المتَّصفين بالعدل والإنصاف، ذوي خبرة علميَّة، ومقدرة وكفاءة جعلتهم قدوة الخلف من بعدهم، الأمر الذي دعا كُتاب السير والطبقات إلى تسجيل مآثرهم وحفظ أخبارهم وأسمائهم، فلو كانوا على غير ذلك ما وجدوا لهم حيِّزا في مصنَّفاتهم ولا أشادوا بأعمالهم، لقد كان هؤلاء الكتَّاب صارمين في مواقفهم حذرين من الوقوع في التهلكة إنَّهم فقهاء بالدرجة الأولى قبل أن يكونوا مؤرِّخين متساهلين في ذكر الأخبار.

إنَّ الذي أوقع الأستاذ ابن تاويت في هذا الخطإ هو اعتماده بدون شكٍّ رواية ابن الصغير المتعلِّقة بمؤامرة طائفة من سكان تيهرت قلب نظام الحكم، وذلك باستغلال سذاجة ذويهم البدو لمَّا قدموا إليهم في فصل الربيع فاشتكوا إليهم بعض موظّفي الإمام عبد الوهاب، ومنهم القاضي فقالوا لهم: «قاضينا جائر … »(2) فدفعوا بهم إلى الشكوى عند الإمام دون أن يتأكَّدوا من التهم بل دون أن تكون لهم الأدلَّة على تهمهم واستغلَّهم الحضر استغلالا فاحشا فأوقعوا الفتنة في البلد، وكان ابن الصغير نفسه قد أشار إلى المؤامرة وأنَّها

(1) - ابن تاويت الطنجي: دولة الرستميين أصحاب تيهرت، مقال بصحيفة معهد الدراسات الإسلاميَّة في مدريد م5 ع. 1 - 2، مطبعة المعهد نفسه، 1377/ 1957، 150.

(2) - ابن الصغير: أخبار، 41.

١٨١ / ٧٤٣