الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٢محض اختلاق إذ لا ينبغي «عزل القضاة ببغي البغاة وسعي السعاة فأفحم القوم ولم يكن لهم جواب»(1).
إنَّ قضاة الرستميين كانوا يُنتقون انتقاء وربَّما عجز أحدهم في قضيَّة من القضايا فإنَّه لا يستنكف عن الاستشارة، فأبو مرداس مهاصر السدراتي كان «إذ نزلت عنده نازلة من مسائل الدماء كتب بها إلى عبد الخالق الفزَّاني يستفتيه فيكون العمل بما يجاوبه به وذلك لكونه يرى عبد الخالق أعلم أهل زمانه بالدماء وأحكامها»(2) علما بأنَّ أبا مهاصر هَذَا كان في عهد الإمام عبد الوهاب.
ولمَّا عين هَذَا الإمام نفسه أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني واليًا قاضيا عَلَى جبل نفوسة أبى هَذَا الأخير المنصب وقال: أنا ضعيف أنا ضعيف، فردَّ عليه الإمام « … إن كنت ضعيفا في العلم فعليك بأبي زكرياء يصلاتن التوكيتي … »(3).
فهذه الأمثلة وغيرها كثير يُؤَكِّدُ بما لا يدع مجالاً للشكّ أنَّ القضاء الرستمي كان يراعي دوما القاضي العالم النزيه المتواضع وليس له إِلاَّ ذلك ما دامت عين الشراة تراقب الإمام وتراقب القضاة بلا هوادة، ومع ذلك ربَّما وجدنا نماذج من التجاوزات الشاذة النادرة التي لا تؤثر في عدل القضاء الرستمي عمومًا إذ سرعان ما تستدرك وتصحَّح، ومن أمثلة ذلك أنَّ صاحب حرس الإمام أبي اليقظان بن أفلح (261هـ-281هـ/874 - 894م) حبس رجلا بغير ذنب ولمَّا علم الإمام بالأمر أمر بإطلاق جميع المحبوسين في تلك الليلة(4).
ويروي البغطوري أنَّ أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني أخرج الحقّ من رجل
(1) - نفسه، 41، 44.
(2) - الدرجيني: طبقات، 2/ 293. جناو بن فتى وآخر: أجوبة علماء فزان، 20.
(3) - أبو زكرياء: السيرة، 125. الدرجيني: طبقات، 1/ 71.
(4) - ابن الصغير: أخبار، 83. زغلول: تاريخ المغرب، 2/ 369.