الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٣على التهمة، فإذا بالفاعل غيره. فقال له الرجل المتهم عند ذلك قد ظلمتني أيُّها القاضي فأجابه « … إنما أنت الظالم لنفسك التي جعلتها في مواضع التهمة»(1).
ويتكرر مثل هذا الخطإ في عهد أبي منصور إلياس بمدينة جادو بنفوسة إذ جلد رجلا جاء فيه كتاب من تيمتي إحدى مدن الجبل، فلمَّا رأى أحد المشايخ تلك العقوبة سأل عن سببها فأخبر به عند ذلك صاح «أبسواد في بياض تهرق الدماء يا نفوسة؟ أو قال يا معشر المسلمين؟»(2)، فقالوا لعمروس بن فتح القاضي، وكان قد شهد الجلد: جاوبه فقال لهم «إذا قيل الحق بطل الجواب»(3)، وبالفعل لمَّا سألوا للتأكد من الشخص وجدوا أنَّ الرجل المقصود في الرسالة غير هذا المظلوم فثبتت براءته عندئذ قوموا جنايتهم عليه وغرموها له(4).
إنَّ هذه العينات من القضايا التي يشتم منها الجور سرعان ما تنقلب عدلا خالصا لا يرقى إليه إِلاَّ قضاة أخلصوا للقضاء الإسلامي وللدين شرائع وشعائر حتَّى أنَّ من قتل منهم في معمعة الحرب مثل ما وقع للقاضي أبي يحيى زكرياء الأرجاني بجربة عندما قتله رجل من أصحابه لأنَّه كان قد أخرج الحق منه(5).
ألم يعدل محكِّم الهواري قاضي تيهرت في عهد أفلح لمَّا سوَّى بين متخاصمين أحدهما أخو أفلح قصد القاضي دون خصمه فأجلسه إلى جنبه وأقبل عليه يحدِّثه ويسقيه ماء، ولمَّا اكتشف القاضي الأمر غضب على أبي العبَّاس،
(1) - البغطوري: سيرة، (مخ)، ق 108. الشماخي: سير، 180.
(2) - الدرجيني: طبقات، 2/ 333 - 334. الشماخي: سير، 242، يذكر «أبسواد في قرطاس تضرب الناسَ يا إلياس؟».
(3) - الدرجيني: 2/ 334.
(4) - نفسه، 2/ 334. وانظر رواية مشابهة لهذه تدلُّ على عدم العدل في عقوبة خصمين ضربًا. البغطوري: سيرة، (مخ)، ق 11.
(5) - الشماخي: سير، 243 - 244.