الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٤فنادى «يا غلام خذ بيد أبي العبَّاس، وأقعده مقعد خصمه، ولا يبرح، وخذ بيد خصمه وأقعده إليَّ، ومر الجارية فلتسقه ماء»(1)، ففعل الغلام ما أمر به القاضي.
إنَّ هَذِهِ الممارسة القضائيَّة العادلة التي كثيرا ما وجدناها في قضاة الإسلام، يرى الأستاذ شيخ بكري أنَّها شرسة قاسية، لأنَّها سوَّت بين متخاصمين تسوية مطلقة دون مراعاة للظروف والملابسات والأمير والمأمور، وكأنِّي به يراها سلبيَّة وغير إيجابيَّة(2).
لقد كان الرستميُّون حرصين عَلَى حدود الله يطبِّقونها عَلَى القاصي والداني، عَلَى الشريف والمشروف كلَّما حكم القضاء بذلك، وإنَّ النفوسيِّين منعوا الإمام عبد الوهَّاب من أداء فريضة الحجِّ «خوفا من المسودَّة أن يمسكوا به، فتتعطَّل أمورُ المسلمين، وحدود الله وأحكام الشريعة … »(3). إذ لا تقام الحدود إِلاَّ مع توفُّر ووجود الإمام الذي يشرف بنفسه عَلَى هَذِهِ الأحكام، أو يولِّي من يشرف عليها نيابة عنه كالولاة والقضاة، فالنظام يقتضي الصرامة في مثل هَذِهِ الأمور، حتَّى وإن كانت قاسية(4)، لأنَّها هي التي تمسك بزمام الأمور.
وهكذا يمكن أن نقول إنَّ القاضي بتيهرت أو في الولايات بصفة بعامة هو الشخصيَّة العليا بعد الإمام في عاصمته، وبعد الوالي في ولايته، «كان يتمتَّع بالنفوذ الأكبر الجاري حتَّى عَلَى الأعيان، وكان حكمه يعمُ كلَّ الميادين التي ينصُّ
(1) - ابن الصغير: أخبار، 52. الشمَّاخي: سير، 194 - 195، نجد مثل هذا العدل في عهد القاضي خير بن نعيم في مصر. انظر الكندي: كتاب القضاة، 44.
(2) - Cheikh Bekri: Le kharijisme Berbère، quelques aspects du royaum Rustumide، in Annales de l’institut d’études orientalles، (A.I.E.O)، Université d’Alger، T. XV، Alger، 1957، p. 71.
(3) - الشمَّاخي: سير، 159.
(4) - Gautier. E.F: Les siecles obscures، p 331.