الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٥عليها القرآن»(1). وكانت سلطته منفصلة عن السلطة المركزيَّة(2)، فلا دخل للإمام ولا للوالي في شؤون القاضي، مع أنَّهما هما اللذان يعيِّنانه في منصبه.
ولعلَّ من المفيد في نهاية هَذَا المبحث أن أشير إلى أنَّ المصطلحات كثيرا ما اختلطت في المصادر الإباضيَّة بخاصة، فالحاكم والقاضي، هذان المصطلحان كثيرا ما رأيت أحدهما يعبِّر عن الآخر ومهمَّة أحدهما هي مهمَّة الآخر(3)، فالإمام عبد الوهَّاب في كتاب مسائل نفوسة كثيرا ما وظَّف مصطلح “الحاكم” وفي بعض الأحيان “السلطان” بدل “القاضي”، وذلك في تقرير الأحكام القضائيَّة، وكأنَّ مؤسَّسة القضاء كانت في عهده بالولايات الشرقيَّة ضمن مهامِّ الولاة حكَّام تلك الأقاليم لتنفصل فيما بعد، ويستقلَّ القضاء عن الوالي تنازلا من هَذَا الأخير، ويبدو أنَّ الأمر لم يتم إِلاَّ في وقت بعيد نوعا ما إذا ما قورن بما كان عليه الأمر في مدن المغرب الأوسط، شمال وغرب تيهرت. وقد رأينا ابن الصغير يوظِّف كلمة «القضاة» بالجمع دليلا عَلَى وجود قضاة هنا وهناك، يتقاضون أجورهم من بيت المال بالعاصمة تيهرت.
إنَّ عدم الدقَّة في ذكر مصطلح القاضي جعلنا نبذل مزيدا من الجهد لاستخلاص بعض الأسماء التي ارتبط بها القضاء من خلال إشارة في نصٍّ، أو من خلال جلوس للقضاء، وإصدار للحكم، وما إلى ذلك من المعطيات التي لم نكن نوظِّفها إِلاَّ عند الضرورة، ومن هنا غلب عَلَى ظنِّنا أنَّ جلَّ حكَّام الولايات الشرقيَّة كانوا قضاة أَيضًا، عُيِّنوا من تيهرت للمهمَّتين معًا، ووُجد إلى جانب البعض منهم قضاة مستقلِّين بمنصبهم مارسوا القضاء مساعدة للوالي في مهامِّه.
(1) - لقبال موسى وآخرون: الجزائر في التاريخ العهد الإسلامي من الفتح إلى بداية العهد العثماني، م. و. ك، الجزائر، 1984م، 105.
(2) - الكعَّاك عثمان: موجز التاريخ، 182.
(3) - انظر عن هذين المصطلحين واستعمالهما في الفصل التمهيدي، المبحث الأوَّل.