الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٦وإنَّ مِمَّا لا يزال غامضا، وسوف يبقى في نظري غامضا: قضيَّة السنين أو التأريخ، ونقصد بها فترات توليِّ القضاة لمناصبهم، ثمَّ عزلهم أو انعزالهم أو وفاتهم، فهذه المشكلة كثيرا ما عانينا منها إذ لا وجود لتواريخ دقيقة مضبوطة في المصادر التي أرَّخت للرستميِّين، سواء من الإباضيَّة كأبي زكرياء الوارجلاني، والبغطوري والوسيانيِّ والدرجيني والشمَّاخي(1)، أو من غيرهم كابن الصغير بخاصة …
والخلاصة هي أنَّ القضاء الرستميَّ بدا بارزا في تيهرت من خلال الأَيمَّة الرستميِّين الأوائل، ثمَّ القضاة الذين ذكرهم ابن الصغير بأسمائهم، أو الذين أشار إلى وجودهم دون معلومات أخرى. أمَّا في الولايات الشرقيَّة فإنَّ القضاء كان ضمن مهامِّ الوالي الذي يُنتقى من العلماء الفقهاء الأعلام، لأَنَّ من أوَّل مسؤولياته: الجلوس للقضاء بين الناس في خصوماتهم ومعاملاتهم، ثمَّ شيئًا فشيئا برز القضاء مستقلاًّ عن الوالي في جبل نفوسة.
إنَّ العدل كان السمة البارزة الغالبة للقضاء في أيَّام الرستميِّين، وإن طغت بعض الممارسات الجائرة إِلاَّ أنَّها سرعان ما تذوب في العدل الفائض، لأَنَّ القاضي الجائر الظالم ليس له وجود في القضاء الرستميِّ، وكلُّ ما في الأمر أنَّ القاضي ربَّما أخطأ في حكم، أو أسرع في تنفيذ حكم آخر لا غير. لقد كان العدل السمة البارزة في الدولة الرستميَّة أيمَّة وقضاة، وحقَّ للبارونيِّ أن يقول « … لم نقف في كلِّ ما تصفَّحناه من تواريخ، وفي كلِّ ما بين أيدينا من تاريخ ابن الصغير من قول سوء أو خروج عن العدل
(1) - لقد تحدَّث الدكتور محمَّد الطالبي بحقٍّ عن غياب التواريخ في مصادر الإباضيَّة، وأنَّها نادرة تكاد تكون مفقودة تماما، حتَّى أنَّها خيَّبت آماله إِلىَ حدٍّ ما كما يقول. انظر: الدولة الأغلبيَّة، 18.