الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٩وجدواها، خاصَّة في زماننا هذا، فاحتياجنا أكيد وملحٌّ إلى هذا القضاء وتاريخه، قضاء يقوم بمهامه، ويؤدِّي رسالته، ويتحمَّل مسؤولياته، ويرعاه الراعي والرعية: السلطان والقاضي والمتقاضي.
أمَّا اختيار المغرب الإسلامي بالذات، فلأنَّ الدراسات – كما أسلفتُ – حوله قليلة، خاصَّة ما تعلَّق منها بالنظم، فضلا عن أنَّ تاريخ المشرق الإسلامي(1)، قد استوعبه الباحثون دراسة وتحقيقا، فهو يحتاج اليوم إلى قراءات جديدة لنصوصه القديمة أكثر من أيِّ شيء آخر … في حين نشعر أنَّ تاريخ المغرب الإسلامي الوسيط، خلال فتراته كلِّها يتطلَّب المزيد من العناية والجهد، لاستجلاء كوامنه ورسم معالمه وضبط تاريخه، واستخراج درره، فهو فعلا بهذا يتطلَّب منَّا المزيد من الاهتمام، والمزيد من التخصُّص وأهل الاختصاص …
واخترت فترة القرنين الثانى والثالت للهجرة وضبطتُ ذلك بتمام الفتح عام 96هـ/715م، حتَّى قيام الخلافة الفاطمية 296هـ/909م، لأنني رأيت أن تكون البداية في دراسة القضاء من البداية: منذ التأسيس والنشأة … ورأيت أن تكون النهاية عند نهاية الدول الأولى المستقلَّة ببلاد المغرب، فالفاطميون يمثِّل عهدهم عهداً جديداً كلَّ الجدَّة عمَّا سبقه، وربَّما حتَّى عمَّا سيعقبه، فضلا عن أنَّ الدراسات الفاطمية متعدَّدة نوعا ما، تأتي مستقلَّة في غالب الأحيان.
إنَّ هذا الموضوع بصيغة عنوانه المذكورة يطرح عدَّة إشكاليات لعلَّ أوَّلها إشكالية النشأة الأولى للقضاء في بلاد المغرب، متى كان ذلك؟ وعلى يد مَن مِن الولاة والخلفاء؟ ثمَّ يطرح نفس الإشكال بالنسبة للكيانات السياسية التي عرفها المغرب الإسلامي خلال القرنين الثاني والثالت للهجرة (8 - 9م)، بعد انقضاء عصر
(1) * - هناك مناطق في المشرق العربي لا تزال بحاجة ماسة إلى دراسات تاريخية، وأقصد هنا إقليم عُمان ودولته بالذات، فلعل الله يوفقني لتناول تاريخ قضائه في المستقبل القريب إن شاء الله.