الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٩٤في القرون الهجريّة الثلاثة الأولى وربّما لا نعدو الصواب إن قلنا لا يضاهيه قضاء دولة من دول المغرب الإسلامي خلال العصور الوسطى كلّها، إذ اهتمّ العلماء بتاريخه وسجّلوا الكثير من أحداثه واحتفظوا بالكثير من تراجم قضاته(1).
إنّ القضاء في الدولة الأغلبيّة لم يعرف نشأة جديدة من العدم مثلما هو الحال بالنسبة لدول المغرب الأقصى والأوسط المعاصرة لها، وإنّما هو قضاء عصر الولاة بعينه ورثه الأغالبة كاملا جاهزا متطوّرا مطابقا لقضاء دولة الخلافة، ورثوه مع ما ورثوه من نظم وإدارة إفريقيّة لمّا تنازل الخليفة هارون الرشيد (170 - 193هـ/786 - 808م) لإبراهيم بن الأغلب بولاية إفريقيّة يحكمها حكما مطلقا وراثيا(2)، ومن هنا كانت نشأته في بداية عصر الولاة. وكل ما يمكن أن يقال في هذا المبحث إِنَّمَا هو تطور للقضاء لذلك نتحدَّث عنه في المبحث الموالي.
المبحث الثاني: تطور القضاء في الدولة الأغلبية
إذا كنَّا لا نعرف سوى اسم قاضٍ واحدٍ في المغرب الأقصى عموماً مع تعدد كياناته السياسية وهو قاضي فاس عاصمة الأدارسة، وإذا كنَّا نعرف بعض قضاة تيهرت الرُّستمية بأسمائهم ويغيب عنَّا الكثير منهم، فإنَّ قضاة القيروان خصوصاً والدولة الأغلبية عموماً لا ينقصنا من تاريخهم شيء يذكر، فنحن نعرف القضاة بأسمائهم الكاملة وانتماءاتهم القبلية والمذهبية ونعرف فترات ولايتهم للقضاء إِلاَّ ما ندر منها وهو قليل جداً.
إنَّ القضاء الأغلبي هو النموذج الأعلى لمَا وصل إليه القضاء في المغرب
(1) - انظر المبحث الخاص بالمصادر والمراجع عرض وتحليل.
(2) - ابن الأثير: الكامل 5/ 109، ابن عذاري: البيان 1/ 92. ابن الأبار: الحلة، 1/ 93 ابن خلدون: العبر، 4/ 418 - 419. محمَّد الطالبي: الدولة الأغلبية، 121 ومابعدها.