القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٩٥

الإِسلاَمِي في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، ولقد كان القضاة منتشرين في كلّ المدن المهمة الأغلبية(1) ولكن قاضي القيروان هو الأهم وسلطته الروحية أو المعنوية تتجاوز حدود العاصمة لكي تتسع على كامل الإمارة، فقاضي إفريقية هذا يتمتع بشخصية متميزة وربما يعتبر الأكثر شعبية في البلد(2)، وكان الأمير الأغلبي ينتقي هؤلاء القضاة انتقاءاً جيداً من بين العلماء الأعلام الراسخين في الفقه(3) وفقه الأحكام بالذات.

وفي الرواية التي ذكرها المالكي دليل على حسن اختيار أمراء الأغالبة لقضاتهم إذ جمع زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب (201 - 223هـ) جماعة من العلماء وكان فيهم ابن الصمادحي الضرير وكلَّفهم باختيار قاضٍ منهم فلمَّا حضرت الصلاة قال أحدهم «إن قدمنا أحداً منَّا رأى هذا -يعني السلطان- أنَّه خيِّرُنا فيولِّيه القضاء لكن قدموا موسى بن معاوية الصمادحي، فإنَّه ليس له في هذا الأمر نصيب إذ هو كفيف البصر فقدَّمناه فصلى بنا»(4).

إنَّ هذه الروايات بقدر ما تعبر عن حرص الأغالبة في انتقاء قضاة القيروان واختيارهم فهي تعبر كذلك عن تدافع العلماء لمنصب القضاء شفقة على أنفسهم من مسؤوليته الخطيرة، وقد ظل الأغالبة طيلة حكمهم ينتقون قضاتهم انتقاء جيداً وربما لم يوفق أحدهم في اختياره إِلاَّ أنَّ القاعدة العامة هي أنَّ قضاة إفريقية هم زبدة علماء إفريقية، فالأمير زيادة الله الثالث (290 - 296هـ/902 - 909م) عزل القاضي محمَّد بن أسود الصدّيني المعتزلي نزولاً عند رغبة العامة والخاصة وكتب إليهم كتاباً يتقرب به إليهم «إنّي قد عزلت عنكم

(1) - Vonderheyden: La berberie. p173

(2) - Vonderheyden: Ibid. p173

(3) - المالكي: رياض 1/ 281 - 282، الدباغ: معالم 2/ 327. النويري: نهاية الأرب (قسم المغرب) 264.

(4) - المالكي: 1/ 281 - 282.

١٩٥ / ٧٤٣