الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٠٦الأغلبية، وفي نص القاضي النعمان(1) - الذي سبقت الإشارة إليه - دليل على فراغ بعض المناطق من القضاة وبالتالي عودة سكانها إلى شيوخها، ومن نظر في شيء من العلم من رجالها، فكتامة القبيلة العتيدة التي تربعت على منطقة شاسعة من المغرب الإِسلاَمِي كانت تعود جغرافياً وسياسياً إلى السلطة الأغلبية، إِلاَّ أنَّ تطرفها الجغرافي عن القيروان مركز السلطة جعلها تستقل بشؤونها بنفسها ولا تشعر بسلطة الأغالبة عليها، وبالتالي استقلت بقضائها فكان الرجل الذي أوتي شيئاً من العلم منهم يفرض نفسه قاضياً بينهم أو يؤهلِّه علمه لذلك ويرتضيه القوم، فأي حكم صدر منه على فرد من أفراد القبيلة لزم على ذلك الشخص تنفيذه وإن أبى عن ذلك قامت القبيلة عليه حتَّى يرعوي ولا خيار له.
هكذا كان القضاء عند كتامة بصريح النص المذكور ولا أعتقد أنَّ كتامة وحدها تعيش هذا الوضع القضائي وإنَّما كلّ الجماعات المتطرفة جغرافياً عن مراكز السلطة أو القبائل النائية في أقاليمها الجبلية الصعبة تعيش على هذه الشاكلة وتبتُّ في قضاياها بمثل هذا القضاء الذي يمكن تسميته بالقضاء الشعبي بعيداً عن القضاء الرسمي التابع للدولة.
ختاماً لهذا المبحث، ندرك أنَّ القضاء الأغلبي كان قوياً منذ البداية بارزاً عرف تطورات عديدة وكان متنوعاً وحيوياً لا يقل في أهميته ومستواه عن القضاء في الخلافة العباسية بل منه استمدَّ تطوراته، ولا عن القضاء في الأندلس لأنَّه كان منافسه الأوَّل وبالتالي وجب مسايرته.
(1) - افتتاح الدعوة. 37 انظر آخر المبحث الثاني من الفصل الثالث من الباب الأوَّل لمزيد من المعلومات. من المعروف أنَّه منذ بداية العهد الفاطمي عرفت مدينة ميلة في إقليم كتامة قاضيها وهو علي بن منصور الصفار «اضطره الفقر والإقلال ومحبة السؤدد إلى أن تشرَّق» يقول الخشني في طبقاته. 217 والتشريق معناه التشيع.