الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٠٧إذا كان هذا المستوى الحقيقي للقضاء عند الأغالبة فما حقيقة الموضوعات التي كان القضاة يتداولونها في مجالسهم؟ وما هي أشهر القضايا والأحكام التي بتَّ فيها هؤلاء القضاة الكثر؟
المبحث الثالث: أشهر القضايا في القضاء الأغلبي
كثيراً ما أطنبت المصادر -التي أرَّخت للقضاء في الدولة الأغلبيه- في ذكر سير القضاة وتراجمهم المفصلة وفترات ولاياتهم لهذه الخطَّة، إِلاَّ أنَّها كانت بعكس ذلك مقلة جداً في ذكر القضايا والأحكام التي تداولها القضاة في مجالسهم ومحاكمهم، فالمصادر كانت تؤرخ للأشخاص وليس للمجتمع؛ وللأفراد وليس للأحداث الاجتماعية بالدرجة الأولى. لقد جاءت بعض القضايا عرضاً في هذا المصدر أو ذاك أو جاءت تنظيراً كجواب على سؤال المفروض فيه أن يكون واقعاً معيشاً، ولولا المصادر الفقهيَّة لكان الأمر معقَّدا فعلاً، فجوابات محمَّد بن سحنون كانت خير معين لنا في هذا المجال، فضلا عن المدوَّنة الكبرى التي رواها أبوه سحنون عن ابن القاسم عن الإمام مالك بن أنس - رضي الله عنه -.
فالقاضي عبد الله بن غانم كان يرسل مع الحُجَّاج رسائل إلى العلماء بالمشرق مثل القاضي أبي يوسف الحنفي فيها قضايا مِمَّا لا يعرف الحكم فيها(1) دون أن يضيف الرقيق الذي روى الخبر ما نوع تلك القضايا وما هي موضوعاتها.
وفي المدونة للإمام سحنون بن سعيد نقرأ فصلاً سمَّاه «كتاب الأقضية»(2) فيه يسأل سحنون شيخه ابن القاسم عن كثير من الأحكام ويجيب الشيخ بما يعرفه عن الإمام مالك بن أنس - رضي الله عنه -، وأسئلة سحنون مختلفة تناولت