الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٠٩فالقضاء الأغلبي ونظراً للتطور الكبير الذي شهده وكثافة القضايا المتوقعة التي حكم فيها فإنني أرى أنَّه لم يترك مجالاً إِلاَّ طَرقه، فالقاضي كان يحكم بين المتخاصمين في أنواع من الخصومات ويبحث في شأن الشهود ويقيم الحدود في ما ارتكب من كبائر كالقتل وشهادة الزور وقطع الطريق والزنا وشرب الخمر وغيرها كثير(1) بما قد رأينا السؤال عنها عند قاضيين معاصرين هما الإمام القاضي سحنون بن سعيد والقاضي أبو المهلب هيثم بن سليمان، وعند محمَّد بن سحنون الفقيه وابن القاضي.
لقد كانت قَضِيَّة النسب حاضرة بقوَّة في القضاء الأغلبي وكأني بأقوام أرادوا أن يكونوا عرباً ربَّما ليحظوا ببعض الامتيازات ولذلك قال القضاء فيها حكمه بِأَنَّ أي رجل إذا طرأ على قوم من بلاد ولا يعرفونه به فقال أنا رجل من العرب فأقام بينهم أمداً قريباً فقال له رجل لست من العرب فإن هذا الأخير لا يضرب، ولكن إن تطاول زمان الرجل المدَّعي للنسب العربي مقيماً بين أظهرهم فولد له أولاد تكتب شهادته ويجوز نسبه فإن قال له قائل إنَّك لست من العرب فإنَّه يضرب الحد لأنَّه قد جاز نسبه هذا الزمان كله ولا يعرف إِلاَّ به(2).
وربما يأتي الرجل إلى القاضي فيدَّعي أنَّه أخ رجل آخر لأمِّه وأبيه أو ابن له والطرف الثاني ينكر، أو إمرأة تدَّعي أنَّها زوجة رجل أو رجلٌ يدعي نكاح امرأة وفي كلتا الحالتين ينكر الطرف الثاني(3) ويبدو أنَّ مثل هذه القضايا تكاثرت على القضاء الأغلبي بسبب التطورات التي شهدها المجتمع الأغلبي وآثار الهجرات
(1) - الذهبي شمس الدين أبو عبد الله محمَّد بن أحمد: كتاب الكبائر، مكتبة النقاء، مطبعة الرشيد، بغداد، 1984م. وانظر عمر رضا كحالة: مباحث اجتماعية ص241 - 247
Vonderheyden: La berberie orientale.p.174
(2) - سحنون: المدونة 5/ 142 - 143.
(3) - أبو المهلب: أدب القاضي 73،74، 77 - 81، 125 وانظر الونشريي: معيار المعرب. 9/ 211 - 212 وفيه قصَّة عن حرَّة نفوسية جاء بها رجل وأراد أن يسافر بها فقالت إنَّها حرَّة كأبويها.