الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢١٨إنَّ هذه القضايا التي يقف فيها العلماء في المحاكم أمام القضاة لا تنم إِلاَّ عن مثيلاتها للعوام …
ونختم بما بت فيه القضاة من قضايا لها علاقة بالثقافة ولعلَّ مسألة خلق القرآن تعتبر القضية الأولى التي أخذت حيزاً كبيراً من قضاء الأغالبة في المجال الثقافي والمذهبي، وهي تتعلَّق بالعقيدة والفكر الإِسلاَمِي، فقد امتحنَ بعضُ قضاة القيروان(1)، مثل محمَّد بن أسود الصديني المعتزلي (289 - 290هـ/901 - 902م) وقبله عبد الله بن أبي الجواد المعتزلي (221هـ-232هـ/835 - 846م)، الناسَ بمسألة خلق القرآن وكلفوهم مشقة فكرية وعقدية لم يكن عقلهم قد ارتقى إلى إدراكها بعد، لذلك نجد الإمارة الأغلبية تعزلهما عن القضاء عزلاً تماماً مثلما فعل الخليفة المتوكل العباسي(2) (232هـ-247هـ/846 - 861م) لمَّا أنهى فتنة المعتزلة وأمر بإحياء السنَّة عام 234هـ/848م مع فارق هو أنَّ الأغالبة عينوا بعد ذلك التاريخ الصدينيَّ المعتزلي قاضياً للقيروان.
ومحافظة على السنَّة النبويَّة وحرباً على المدلِّسين يروي أبو العرب أنَّ القاضي سحنون بن سعيد «أرسل في طلب ابن رزين - أحد المدلسين - فأتي به إليه فقال له أنت سمعت من ابن نافع فقال له: أصلحك الله إِنَّمَا سمعت من ابن نافع الزبيري فقال له: لِمَ دلست؟»(3) لأَنَّ القاضي رأى كتاباً فيه رواية عن ابن رزين عن عبد الله بن نافع الصائغ فظهر أنَّه ليس ابن نافع الصائغ وإنَّما الزبيري وهو أقلّ درجة في الحديث من صاحبه.
وهكذا كان القضاء الأغلبي حاضراً في كلّ المجالات وكان وجود القضاة
(1) - انظر خاصَّة: أبو العرب: المحن 462 - 464.
(2) - السيوطوي جلال الدين عبد الرحمن: تاريخ الخلفاء، تَح. محمَّد محي الدين عبد الحميد، مكتبة الشرق الجديد. بغداد، ط3. 1987. ص346.
(3) - طبقات 205.