القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢١٩

ضرورة ملحة في العاصمة القيروان وفي الأقاليم كذلك، فتعدُّد القضايا وتنوعها وكثرتها سمة القضاء الأغلبي خصوصاً ولعلها سمة القضاء في المغرب الإِسلاَمِي عموماً في القرون الهجرية الثلاثة الأولى للأسباب التي سبق ذكرها في كثير من المرَّات، هذا بالرغم من سكوت المُؤَرِّخِينَ والإخباريين عن الإفصاح بماهية القضايا واهتمامهم بشخصية القاضي لاغير.

المبحث الرابع: تقويم القضاء في الدولة الأغلبية

سبق أن رأينا أنَّ القضاء الأغلبي لم ينطلق من عدم ولم ينشأ من فراغ وإنَّما هو ميراث عصر الولاة وتجربتُه، منه استمد الخبرة ومنه كانت بدايته. وهذه ميزة ينفرد بها القضاء عند الأغالبة، وكلُّ المميزات الأخرى إِنَّمَا مردها إلى هذه الميزة وهذه الانطلاقة القويَّة منذ البداية.

لقد كان القضاء الأغلبي محظوظاً لمَّا اهتم به المؤرخون وسَجلت أحداثه المصادرُ وكانت متوفرة ومادتها غزيرة وإن لم تُؤَلَّف للتأريخ للقضاء، ولكن اهتمام أصحاب الطبقات بالعلماء وتراجمهم أدَّى إلى تسجيل أخبار القضاة وسيرهم إذ يأتون في مقدِّمة العلماء العاملين الذين تركوا بصماتهم العميقة ليس في الحياة العلميَّة والدينيَّة فحسب، وإنَّما أيضاً في مختلف مناحي الحياة الأخرى السياسية والعسكرية والإدارية والاجتماعية والاقتصادية بتوليهم لمنصب القضاء.

وقد سبق أن رأينا كذلك أن تاريخ قضاة القيروان هو الأغزر مادَّة فأسماؤهم بارزة متوفرة وانتماءاتهم القبلية المذهبية واضحة وفترات قضائهم محددة دقيقة في أغلبها وليس الأمر كذلك بالنسبة لقضاة الأقاليم، إِلاَّ أنَّ العديد منهم تدرَّج في المناصب القضائية حتَّى ارتقى إلى قضاء القيروان وهو أعلى درجات القضاء عند الأغالبة.

إنَّ القائمتين اللتين وضعتُهما في هذا المجال تبيِّنان بوضوح تسلسل قضاة القيروان وفترات ولاياتهم وأسباب نهايتهم موتاً أو عزلاً أو استعفاء، هذا عن الأولى

٢١٩ / ٧٤٣