الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٢٣نعم لقد كان هناك بعض القضاة (الجورة) ولكن ليس من قِلَّة العلم وإنَّما تطبيقاً لرأي حنفي أو اعتزالي على مالكي، وهكذا أرى وأعتقد هذا الأمر وبهذا ينبغي أن يفسر.
لقد تميز القضاء الأغلبي في عمومه بالعدل، كان القضاة عدولاً إِلاَّ من نسبه الإخباريون إلى الجور وهو من الأحناف أو المعتزلة انتقاماً من مذهبه واستصغاراً له لا غير.
هذا عن قضاة القيروان، أمَّا قضاة الأقاليم فقد ذكرتُ أنَّ أوائلهم كانوا من تعيين القاضي سحنون بن سعيد، وبالتالي فهم عدول وسيرتهم في القضاء حسنة أمَّا بعض القضاة الآخرين من غير المالكيَّة فإنَّنا نجد مغمزاً فيهم مثلما وجدناه في قضاة القيروان الأحناف والمعتزلة، فهذا أحمد بن وهب يعيَّن قاضياً في طرابلس على عهد القاضي ابن عبدون الحنفي: يقول عنه الخشني(1) إنَّه يكنَّى بأبي الزير لرواية فيها تعريض بأنَّه كان يشرب النبيذ.
إذا استثنينا هذه الملاحظة فإن قضاة الأقاليم كلّهم علماء عدول ولكن لا ننس أنَّ كتب الطبقات المالكيَّة لم تترجم إِلاَّ لرجالها وهذا هدفها، أمَّا غيرهم فإنَّما يأتون عرضاً لذلك نفتقد الكثير من أسماء قضاة الأقاليم لعلَّهم كانوا من الأحناف أو المعتزلة ضاعت أسماؤهم وتراجمهم مع ضياع كتب طبقاتهم وسيرهم في بلاد المغرب الإِسلاَمِي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لعلَّ توليهم لمنصب القضاء في الأقاليم والمدن جعل دورهم ثانوياً ونظر إليهم المهتمون بالتأريخ للعلماء دون مرتبة الاهتمام بهم وتسجيل سيرهم.
ورغم جور بعض الأمراء الأغالبة وانقلابهم على قضاتهم إِلاَّ أنَّ القضاء والقاضي ظلا مستقليْن عن تقلبات الأمير والإمارة غالباً فإبراهيم
(1) - طبقات 194.