الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٢٦الذي كان قوي الشخصية كما قد أسلفنا، طغت قدراته وجرأته على شخصية الوزراء والأمراء فكان عهده (ستة أعوام) متميزًا مستقلا لا يشبهه العهد الذي سبقه ولا الذي يأتي من بعده.
وما إن يتوفى هذا القاضي حتَّى يدخل القضاء الأغلبي مرحلة جديدة هي التي تحدثنا عنها ورأينا أنَّها كانت مضطربة يُعزل فيها القضاة عزلاً الواحد بعد الآخر إلى نهاية الدولة ولم نجد واحداً منهم استقر في قضائه ومات قاضياً وكأنَّ الفراغ الذي تركه سحنون بن سعيد بشخصيته القويَّة لم يستطع أحد من خلفائه ملأه فكانوا عرضة للعزل والإعفاء.
ومن نافلة القول إنَّ القضاء في الأقاليم كان تابعاً لقضاة القيروان يتعرَّضون لما يتعرض له قاضي القيروان ولعلَّ أبرز ذلك يتجلى في معاملة إبراهيم الثاني للقضاة الذين عينهم عبد الله بن أحمد بن طالب هنا وهناك في مدن الدولة الأغلبية، إذ لمَّا انتقم منه الأمير لحق انتقامُه إلى أصحابه القضاة فمنهم من خُشِّب ومنهم من سُجن ومنهم من اُمتهن وكل ذلك بعد عزلهم بطبيعة الحال عزلاً سيئاً(1).
وممَّا يجب أن يذكر ختاما في هذا التقويم للقضاء الأغلبي ما قد سبقت الإشارة إليه من ندرة المادَّة الخبريَّة فيما يتعلَّق بموضوعات القضاء فعلاً وواقعاً، ولقد رأينا أنَّ كتَّاب الطبقات والتراجم وهم عمدة مصادرنا في هذا البحث لم يلتفتوا إلى هذا الجانب ولم يسجلوا شيئاً كثيراً عنه لأنَّه لا يدخل ضمن اهتماماتهم فهم يؤرخون سيرة القاضي وليس سيرة القضاء حتَّى تأريخهم لسيرة القاضي ليست مقصودة في حدّ ذاتها لأنَّها للقاضي، وإنَّما لأَنَّ هذا القاضي كان عالماً شيخاً من العلماء الأعلام، ووجدنا ضالَّتنا في هذا المجال في كتب الفقه والنوازل.
(1) - أبو العرب: المحن 473 - 476.