الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٤٨لقد كان للقضاة ببلاد المشرق لباسهم المميز لهم(1)، فهل كان لقضاة بلاد المغرب لباس خاصٌ يُعرفون به ويُميزهم عن غيرهم من شرائح المجتمع؟
أعتقد أنَّه لم تصل هيبة القضاة بالمغرب إلى تخصيص لباس لهم في هذه القرون الثلاثة الأولى للهجرة، و إنَّما كانوا يلبسون لباس العلماء بل منهم من تأنق في ملبسه وأظهر نعمة الله عليه.
إنَّ اللباس الأبيض هو لباس العلماء والفقهاء عادة(2) وكان الإمام مالك - رضي الله عنه - «يلبس الثياب العربيَّة البيض وإذا أعتم جعلها تحت ذقنه ويُسدل طرفها بين كتفيه»(3)، فلا أستبعد أن يكون قضاة المغرب الإسلامي وبخاصة منهم المالكية -وهم الأغلبية- يتقيدون بهذا اللباس إقتداء بإمامهم، ولقد روى الكندي ما يؤكد هذا إذ قال أحدهم رأيت المفضل بن فضالة وهو قاضي مصر «وأنا صبي رجلاً أبيض عليه وفرة جسيمة كأنَّه من رجال المغرب يعتم بعمامة سوداء على قلنسية طويلة»(4).
فالبياض والعمامة السوداء على القلنسوة الطويلة إذن هي من لباس رجال
(1) - من المعروف أنَّ قضاة الدولة العباسية كانوا يضعون عمامة سوداء وطيلساناً وقد يضعون القلنسوة على رؤوسهم وكان هذا من ابتكارات القاضي أبي يوسف الحنفي بحيث ميّز القضاة عن غيرهم من العلماء والرعية في الملبس. انظر عصام شبارو: القضاء والقضاة 65 وانظر الكندي: قضاة مصر 142، صبحي الصالح: النظم 323، عمر رضا كحالة: مباحث إجتماعية 224.
(2) - انظر شبارو: نفسه. 65 Gaudefroy: Notes p.122
(3) - ابن العماد: شذرات الذهب 1/ 289.
(4) - الكندي: قضاة مصر. 66.