القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٥٣

به حيث إنَّ قضاته كانوا يلبسون ما يحَلُو لهم من لباس مترف أو غير مترف(1) فهذا محمَّد بن سلمة لمَّا عُين قاضياً للجماعة في قرطبة « … لم تُحدث له ولاية القضاء تغيراً في ملبس … »(2) وهذا دليل على أنه لم يكن هناك لباس خاص بالقاضي، في هذه الفترة التي أرى أنها شبه متقدمة نوعاً ما لم تصلها بعد تأثيرات المشرق في هذا الخصوص بخاصة وأنها ذات طابع حنفي يصعب أن ينقاد لها قضاة المغرب من المالكية والإباضية وغيرهم من غير الأحناف، ولعلَّ هؤلاء الأخيرين - أي الحنفية - كانوا يلتزمون هذا الملبس القضائي إلاَّ أنَّ المؤرخين لم يذكروا شيئاً من ذلك.

ومع تقدم السنين والعصور أصبح المالكية ينصحون بالاعتناء بالهندام «لأن الخلق مجبولون على تعظيم الصور الظاهرة ومتى لا يعظم في نفوس الناس لايقبلون الاقتداء بقوله»(3) ويخاطب الونشريسي في القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي من يريد أن يكون قاضياً فيقول له «ولتكن أبداً مرتدياً بردائه حسن الزي والملبس مِمَّا يليق به فإنَّ ذلك أهيب في حقه وأجمل في شكله وأدلُّ على فضله وعقله وفي مخالفته نزول وتبدل … »(4) ويحكي في ذلك رواية عن ابن رشد القاضي إذ كان مُحرِماً فأنكر على قوم فلم يعبؤوا به حتَّى لبس زي الفقهاء فسمعوا وأطاعوا(5)، وتظل المالكية تؤثِر البساطة مثلها في ذلك مثل الإباضية فالونشريسي يقول «و أمَّا المبالغة و تحسن الخياطة … فمِن فِعل أهل الرعونة … »(6).

خلاصة القول إنَّ قضاة المغرب عموماً في تلك الأزمنة الأولى كانوا نتاج

(1) - الخشني: قضاة قرطبة 95. وانظر يحي بن عمر: أحكام السوق. 126 هامش1.

(2) - الخشني: نفسه. 95.

(3) - القرافي: الإحكام. 80.

(4) - كتاب الولايات. 47.

(5) - المعيار. 12/ 322 وانظر كتاب الولايات 47 - 48.

(6) - المعيار 12/ 322.

٢٥٣ / ٧٤٣