القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٥٥

العصر، وركوبه يمثِّل مظهرا من مظاهر الأبَّهة(1) فكأَّن القضاة فضَّلوا آخر المراكب رفاهية وراحة تواضعا منهم، فالقرآن الكريم يجعل الحمير في آخر المراكب في قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾(2).

ورغم أنَّ أغلب القضاة وجلَّهم عُرفوا بركوبهم الحمير، إِلاَّ أنَّنا وجدنا محمَّد بن سحنون في إحدى أجوبته، لمَّا تحدَّث عن تشويه الدوابِّ وما يترتَّب على ذلك من تعويض، فرَّق بين الدواب العامة وغيرها فقال «إن كانت الدَّابَّة مفخرة للركوب مثل بغلة القاضي أو الوالي أو … غيرهم من الأكابر والأشراف فعليه قيمتها … »(3).

إنَّ هذا النصَّ يجعل مركوب القاضي مفخرة، له من القيمة ما ليس لغيره، كما أنَّ البغال هي الأخرى امتطاها القضاة جنبا إلى جنب مع الحمير كما يؤكِّد هذا النصُّ.

فقاضي الرستميين محكَّم الهواري كانت له دابة عليها انتقل من جبل الأوراس إِلى تيهرت العاصمة(4) وسحنون بن سعيد قاضي الأغالبة كان يركب دابته بلجام حديد ليس فيه من الفضة شيء(5) وهو ما يناسب الحمير من المراكب فضلا من أنَّ ذلك هو منهج سحنون في الحياة. ولقد رأينا ابن غانم بدابته مع الأمير إبراهيم بن الأغلب يشق سماط القيروان(6).

ولقد كان لبعض القضاة مع حميرهم طرق تعوَّدوا عليها أو عوَّدوا عليها

(1) - فريد بن سليمان: المقال المذكور، 125.

(2) - سورة النحل آية 8.

(3) - محمَّد بن سحنون: أجوبة (مخ) ق45ظ.

(4) - ابن الصغير: أخبار 50.

(5) - المالكي: رياض 1/ 365.

(6) - الرقيق: تاريخ. 194 - 195.

٢٥٥ / ٧٤٣