القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٥٧

ج- هيبة القضاة:

إنَّ للقضاة آداباً تتجلى بها هيبتهم وتقوى بها رهبتهم، والهيبة والرهبة في القضاة من قواعد نظرهم لتقود الخصوم إِلى التناصف وتكفهم عن التجاحد(1) فابن عبدون الأندلسي في رسالته للقضاة ينظّر لهذا الأمر في القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي، ولا غرو أنَّ ذلك كان من واقع القرون السالفة فيقول «يجب للقاضي … أن يكون جزلا في قوله صارما في أمره محقاً في حكمه مصوناً عند الناس وعند الرئيس والجمهور عارفاً بحكم الله فإنَّ الحكم ميزان قسط الله الذي وضع في الأرض لإ نصاف الظالم من المظلوم ولأخذ الضعيف من القوي وإقامة حدود الله تعالى على سننها ولا يمكِّن من نفسه ولا ينبسط مع الفقهاء ولا مع الأعوان فإنَّ منهم يأتيه الضرر … ويجب أن لا يمزح … مع أحد من حاشيته ولا غيره فتسقط هيبته وتنقص عزائمه وتُردُّ أوامره وتختل حاله بذلك حسداً»(2).

إنَّ الهيبة والرهبة للقضاة من لوازم عملهم، لذلك وجدنا قضاة المغرب الإسلامي قد راعوا ذلك أيّما رعاية ووجدوها في التواضع الذي يصفه الدكتور علي أحمد(3) بالزائد ويتسائل إن كان هذا التواضع حقيقياً صادقاً أو أنَّه متكلف مفتعلٌ، الهدفُ منه حب الظهور.

إنَّ قضاة المغرب الإسلامي بعامة وجدوا هيبتهم في التواضع الحقيقي الصادق ولم يتكلفوه أبداً وهم الفقهاء، وأقبلت عليهم الدنيا ولم يسايروها ورعاً وتزكية لأنفسهم وترفعاً عما يسقط فيه العامة من الناس بل وحتى الخاصة منهم.

لقد لاحظ شيخ بكري في قضاة الرستميين الشخصية المعتبرة التي كانوا

(1) - الماوردي: أدب القاضي 2/ 241 - 242.

(2) - رسالة ابن عبدون في القضاء. 197 - 198.

(3) - القضاء في المغرب والأندلس. 26.

٢٥٧ / ٧٤٣