الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٥٨يتمتعون بها والهيبة والنفوذ الواسع حتَّى على من هم أعلى مرتبة فكانوا لا يهابون أحداً(1)، وكانت صلاحياتهم غير الدقيقة تمتد إِلى كلّ القضايا التي عالجها القرآن ولهذا يقول شيخ بكري فإنَّ القاضي كان مهيباً في شخصيته(2)، فالقاضي محمَّد بن عبد الله قاضي الإمام أبي اليقظان لمَّا خرج من بيته ليلاً يبحث عن فتاة أُختطفت شكت أمُّها أنها في دار تعرف بدار الزكاة «فلما رأى صاحب الدار وأهل الدار القاضي ارتاعوا ارتياعاً شديداً، وقالوا ما بال القاضي أعزه الله وما جاء به؟»(3).
إنَّ هذه القصة التي رواها ابن الصغير تعبِّر بوضوح عن قيمة القاضي في المجتمع الرستمي وتصوِّر هيبته في الارتياع الشديد الذي أصاب أهل الدار، واحترامه يتجلَّى في الكلام المؤدب الذليل الذي استُقبل به: «ما بال القاضي أعزه الله وما جاء به؟» ومن المعروف أنَّ هذا القاضي لمَّا فشل في مهمة إيجاد الفتاة المختطفة، بات ليلته مغضباً و لمَّا أصبح الصباح قصد الإمام أبا اليقظان «فرمى إليه خاتمه وقمَطره فقال ولِّ على قضائك من تريد»(4).
لقد كان شديداً حتَّى مع الإمام الذي عينه في منصبه، وتكاد تشبه قصة القاضي أحمد بن أبي محرز مع الأمير زيادة الله الأوَّل القصة السابقة إذ غضب القاضي على الوزير الذي تدخل في شؤون القضاء، فقصد أميره وقال له «هذا سجلك فإن رأيت أن تعافيني فإنَّ الله تعالى يجزل مثوبتك فكان جوابه: لا تغضب اجلس خارج القصر حتى أريك ما أفعله»(5) وهذا بعد أن أطلعه على كامل ما فعله الوزير في حكم كان قد أصدره القاضي.
إنَّ القصتين معاً تؤكدان قوة شخصية القاضي الرستمي والأغلبي وتوضِّحان
(1) - Chikh Bekri: le kherijisme. p 70
(2) - Ibid: 17
(3) - ابن الصغير: أخبار 79 - 80.
(4) - ابن الصغير: أخبار 78.
(5) - المالكي: رياض 1/ 397.