الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦الاستنتاج هو أنسب منهج للباب الأوَّل بجميع فصوله، خاصَّة منها الفصل الثاني المتعلِّق بالقضاء في المغرب الأقصى، وبقي هذا المنهج طيلة الأبواب الأخرى هو السائد مع ميل إلى المنهج الوصفي في الباب الثاني، ولكن ذلك في حدود ضيقة، لأنني لم أجد ما أصفه جاهزا وإنَّما توصَّلت إليه بعد التحليل والاستنتاج، وهكذا طغى منهج التحليل وإعمال العقل على المناهج الأخرى في هذه الدراسة، فلا غرو أنَّ النتائج العديدة المتوصَّل إليها إنما هي نتاج ذلك المنهج وأثر من آثاره …
وأشير هنا إلى أنني لم أستنكف عن تكرار بعض النصوص لأهميتها، ولم أر في ذلك عيبا، وإنما رأيت ذلك منهجا من المناهج، اخترته دائما لنفسي في الكتابة، لاعتقادي وعلمي بأنَّ ذكر النصِّ كلما احتيج إليه أنسب وأولى وأدق من الإحالة إليه في مكان ما من الكتاب، فالتاريخ أدب قبل أن يكون علما، أو هو أدب وعلم.
لقد ذكرت مراراً بين ثنايا فقرات هذه المقدمة أهم المشاكل التي اعترضتني ولاحقتني في مختلف مراحل إنجاز هذا البحث، لعل أهمها مشكلة النقيضين: غزارة المادة الخبرية وندرتها في آن واحد، فهي غزيرة إِلى حد التعجيز فيما يتعلق بمباحث الفصل التمهيدي ثمَّ الفصول المتعلقة بالقضاء في إفريقية عصر الولاة والأغالبة والقضاء في المغرب الأوسط عصر الرستميين إِلى حد ما، وهكذا كلما توغلنا غرباً تقلصت المادة الخبرية وجفت مصادرها إِلى حد التعجيز أيضاً وهو ما وجدت عليه تاريخ القضاء عند المدراريين والأدارسة في المغرب الأقصى، ولولا المنهج الذي اتبعناه لما قلنا شيئاً عن القضاء في تلك البقعة النائية من بلاد المغرب الإسلامي، ولكن الذي قلناه وإن عُدَّ في حجمه صغيراً، إلاَّ أنَّه هو أقصى ما يمكن أن يقال عن قضاء المغرب الأقصى، بعد استنطاق النصوص واستقصائها.
ومن المشاكل العويصة في الموضوع، تشعب أطرافه وتعدد إشكالياته حتَّى بدا وكأنه لا حد له ولا نهاية إِلاَّ أنَّ الصبر والأناة والنفَس الطويل ظلُّوا أهمَّ أدواتي ووسائلي في تخطِّي العقبات وتجاوز المثبطات.