الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٠و من هيبة القضاة أنَّ الولاة والأمراء الأغالبة كانوا يحرصون على حضور جنازاتهم(1)، فضلا عن العامة الذين كانوا يزدحمون على الجنازة مثلما فعلوا في جنازة القاضي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم(2). فوفاة القاضي كارثة عظمى ومصيبة جلل في المجتمع ويكفي أَن نذكر أنّه لمّا مات سحنون ارتَّجت القيروان لموته وحزن له الناس بإفريقية بل إنَّ مشايخ من أهل الأندلس كانوا يبكون ويضربون خدودهم كالنساء(3).
وإذا مرض القاضي زاره الناس وسراة القوم حتى أنَّ ابن عبدون أوجب على القاضي «على طريق السياسة أن يتمارض … ويعتذر ويكلِّف الوزير الأخذ مع السلطان في عيادته ليرى الجمهور ذلك فتكثر هيبة القاضي بذلك عند الناس وعند أهل الدولة»(4).
ولقد شيع وجوه أهل العلم وجماعة الناس القاضي أسد بن الفرات لمّا خرج متوجهاً إِلى سوسة ليركب منها إِلى صقلية غازياً، وأمر زيادة الله أن لايبقى أحد من رجاله إلاَّ شيَّعه. فركب أسد في جمع عظيم(5).
ويبدو أنَّ هذه المواكب التي يحضرها القاضي إِلى جانب الأمير مما يزيده هيبة عند الناس الذين يرون هيبة القضاة من هيبة السلطان. ولقد رأينا أنَّ ابن غانم كان قد شق سماط القيروان مع الأمير إبراهيم بن الأغلب(6)، وقد كان ذلك من عادة قضاة بغداد إذ كانوا في مواكب الخليفة من جانب
(1) - الرقيق: تاريخ 131 ابن عذاري: البيان 1/ 106. عياض: تراجم. 133.
(2) - أبو العرب: طبقات. 99 - 103. الرقيق: تاريخ 131.
(3) - المالكي: رياض. 1/ 134.
(4) - ابن عبدون: رسالة ابن عبدون في القضاء. 205.
(5) - المالكي: رياض 1/ 271 - 272.
(6) - الرقيق: تاريخ. 195.