الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦١ويكون الوزير من جانب آخر(1)، وابن غانم من القضاة الذين تأثروا بالمشرق وتعلقوا به إذ كان تعيينه من الخليفة هارون الرشيد مباشرة.
أمَّا القضاة الذين آثروا الزهد والتخشن في الحياة فإنَّهم كانوا يتفادون مواكب الأمراء ولا يدخلون قصورهم إلاَّ لضرورة قصوى وكانوا يجدون هيبتهم في هذه المواقف الصارمة من السلطة والسلطان: تهابهم الرعية ويحترمهم الراعي إِلى حدِّ الحذر منهم. فسحنون بن سعيد وتلامذته من بعده مثل عيسى بن مسكين وحماس بن مروان كانوا لا يهابون سلطانا، فعيسى بن مسكين كان «مهيباً وقوراً … ذا سمت وخشوع وكان يشبه سحنون في هيبته وسمته … »(2).
ومن هيبة القاضي ألاَّ يدع الهرج والمرج في مجلسه فهذا أحمد بن أبي محرز قاضي زيادة الله الأوَّل يؤدِّب أبزارياً كان قد تخاصم عنده مع رجل آخر «فراجع الإبزاري ابن أبي محرز وجفا عليه فأمر بأدبه»(3) عندئذ اعترف الأبزاري بسوء أدبه وقال للقاضي «ما أردت -أصلحك الله - إلاَّ خيراً وأنا رفعت كلامي عليك ولم أجل القضاء وقد أخطأت فيما فعلت»(4).
وممَّا يدخل ضمن شخصية القاضي وهيبتة طبيعة لحيته، فقد كان القضاة مشهورين باللحى(5) ويذكر الجيطالي أنَّ القاضي شريح قال «ودِدْت لو أنَّ لي لحية بعشرة آلاف وكيف تكره اللحية وفيها تعظيم الرجل والنظر إليه بعين العلم والوقار والرفع في المجالس وإقبال الوجه إليه والتقديم على الجماعة ووقاية العرض … »(6).
(1) - عصام شبارو: القضاء والقضاة. 66.
(2) - عياض: تراجم. 232 - 233 ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب: 2/ 220 وانظر المالكي: رياض 2/ 120.
(3) - المالكي: 1/ 399.
(4) - نفسه 1/ 399.
(5) - عصام شبارو: القضاء القضاة. 64 وانظر المالكي: رياض 1/ 367. عياض: تراجم.209.
(6) - الجيطالي: قناطر الخيرات 1/ 323.