الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٤له الأمير الكفن والمسك(1)، ومع أنَّ حماس بن مروان لم يأخد أجرة على القضاء فإنَّ هديته التي بعث بها إِلى أحد الزهاد والمتمثلة في خمسة دنانير رفضها الزاهد تورعاً(2) لأنَّ مجرد العمل مع السلطان عند هؤلاء القوم يعتبر مدخلا للرزق الحرام.
لقد كان المجتمع إذن أو جزء منه على الأقل، صارماً مع القضاة يراقبهم ويراقب حركاتهم وسكناتهم فكان هؤلاء الزُّهاد والمرابطون في إفريقية وكان الشراة -وهم مشايخ الإباضية و سراتهم- في تيهرت وجبل نفوسة وقد سبقت الإشارة إِلى ذلك.
إنَّ القضاة الذين رفضوا أجرة السلطان نجدهم في إفريقية لا غير والظاهر أنَّهم قضاة المالكية دون الأحناف والمعتزلة، فالمصادر المعتمدة لا تشير إلاَّ إِلى هؤلاء القضاة. فمن أين يعيشون إذن وما مستوى معيشتهم؟ وهل صحيح أنَّ هؤلاء الذين رفضوا الأجرة «كانوا يعيشون بحبوحة اقتصادية مكَّنتهم من عدم الاعتماد على أرزاق منصب القضاء»(3)؟
إنَّ أغلبية القضاة الذين رفضوا الأجرة لم يعيشوا بحبوحة ولم يعرفوها بل إنَّهم ظلُّوا عاديين في معيشتهم و إن كانت لهم ضيعات وأعمال أخرى غير القضاء.
إنَّ سحنون بن سعيد كان قاضياً ومفتياً ومزارعاً وكان شيخاً يلقي دروسه على تلامذته وكانت له مزرعة فيها الزياتين وأرض حرث أيضاً وله ثيران يحرث بها(4). وعلى هذه الأرض شاهده القاضي يحي بن عمر يوماً جاءهُ لأخذ العلم منه
(1) - المالكي: رياض 1/ 400 - 401.
(2) - نفسه 2/ 38 - 39.
(3) - علي أحمد: القضاء في الموب والأندلس. 58.
(4) - المالكي: رياض 1/ 360، 362، 369.