القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٦٥

فقال « … رأيت رجلاً أشعر عليه جبة صوف ومنديل وهو يتولى حرث ضيعته وأسباب مؤونته»(1).

واهتم الإخباريون بتفاصيل حياة سحنون وجاؤوا لنا حتَّى بنوع غذائه الذي كان خبز شعير وزيت قديم وربما تغذَّى بالجشيش(2) وهو السويق وحنطة تطحن جليلاً فتجعل في قدر ويُلقى فيها لحم أو تمر فيطبخ وهو عبارة عن حساء.

ومرَّ على سحنون ثلاثة أيام لم يجد ما يشتري به سخينة وهي طعام رقيق يتخذ من دقيق وقد اضطر إِلى بيع لباس له ليشتري هذه السخينة، وكان يفطر ربَّما قبل قضائه، بربع رطل لحماً ولكنه تركه اقتداءً بالصالحين(3).

وكذلك كان القاضي حماس بن مروان فإنَّه إذا أراد شراء الزيت والبقل باع الشعير واشترى بثمنه ما يجب لذلك(4) وكان يتقوت مما يأتيه من ماله وله منزل بالبادية(5)، فأين هي بحبوحة العيش التي كان يحياها مثل هؤلاء القضاة الذين رفضوا الأجرة من السلطان؟؟ ومعروفة قصة القاضي أبي عمرو ميمون بن عمرو الذي قبل أن يغادر إِلى صقلية ليتولى القضاء بها أشهد الناس في سوسة على ما أخذه معه فكان متاعاً زهيداً. ومرض فدخل بعض الناس لزيارته فوجدوا «وسادتين محشوتين بتبن عند رأسه وحصير بردي تحته»(6). وكانت معه في صقلية خادمته تغزل وتبيع غزلها وتنفق منه عليها(7).

(1) - نفسه 1/ 492.

(2) - وتعرف أيضًا في المغرب بـ"دشيشة" عن الجشيش انظر لسان العرب المحيط مادَّة (جشش).

(3) - نفسه 1/ 360.

(4) - نفسه 2/ 120 - 121.

(5) - النبهاني: قضاة الأندلس 32.

(6) - المالكي: رياض 2/ 180.

(7) - عمر رضا كحالة: مباحث اجتماعية 222. علي أحمد: القضاء. 57.

٢٦٥ / ٧٤٣