الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٦إنَّ هؤلاء القضاة رفضوا أخذ الأجرة التزاماً بمبدئهم في التخشن في المعيشة من جهة ولكي يكونوا في قضائهم مستقلين استقلالاً تاماً لا تؤثر عليهم الإدارة بتقاضيهم الأجرة(1) فضلاً عن أنَّهم تورَّعوا عن الأموال التي تأتي من السلطان فهم يحرِّمونها على أنفسهم.
إنَّ أجرة القاضي في العالم الإِسلاَمِيّ عموما، وفي بلاد المغرب الإِسلاَمِيّ خصوصا، تبدو عالية بشكل عام تكفي القاضي سنة كاملة إلاَّ أننا لا نعرف بالضبط ما مقدارها بعكس ما كانت عليه الأجور في مصر، فقد حافظ عليها الكندي(2) وذكر منها الكثير، أمَّا بلاد المغرب فلم يهتم بذكر قيمة الأجرة مؤرخ من المؤرخين رغم كثرتهم وكأنهم كانوا إِلى عدم تقاضيها أميل منهم إِلى تقاضيها فاهتموا بسيرة من لم يقبض الأجرة وأهملوا الكثير في سيرة غيرهم.
إنَّ الغالبية من القضاة في المغرب الإسلامي قد قبلوا الأجرة وتقاضوها ربما لسبب قلة ما في أيديهم(3) من جهة، ومن جهة ثانية لأنها مقابل للعمل الذي يبذلونه وقد أجازت المذاهب الحاكمة في بلاد المغرب، كما رأينا، تقاضيها، ومن هنا وجدنا قضاة الرستميين تخصص لهم أرزاقهم من بيت المال فابن الصغير يذكر أنّه منذ عهد عبد الرحمن بن رستم (160 - 171هـ) كان هذا الإمام ينظر «إلى ما اجتمع من مال الجزية وخراج الأراضين وما أشبه ذلك فيقطع لنفسه وحشَمه وقضاته وأصحاب شرطته والقائمين بأموره ما يكفيهم في سنتهم»(4) وظل الأمر هكذا إِلى نهاية الدولة -على ما يبدو- فالقاضي محكَّم الهواري لمّا جاء من الأوراس لتسليم مسؤولية القضاء
(1) - نوال تركي: التنظيمات 208 - 209.
(2) - قضاة مصر. 46، 59، 113 وغيرها.
(3) - علي أحمد: القضاء 58.
(4) - ابن الصغير: أخبار 36.