القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٦٩

جزية اليهود السنوية التي تقدَّر بثلاثين ألف دينار على عهد إدريس الثاني(1).

ورغم المرتبات السخية التي كان يتقاضاها القضاة حتى لا تدفعهم الحاجة إِلى الرشوة والهدايا، إلاَّ أننا لاحظنا عينات من القضاة الذين كانوا يقبلون الرشوة أو الهدية وقد سبقت الإشارة إِلى القاضي ماتع بن عبد الرحمن في عهد الولاة الذي كان يأخد الرشوة ويتعاطاها في عمله، هذا في إفريقية، أمَّا في المغرب الأوسط فإنَّ هود بن محكَّم الهواري أحد فقهاء تيهرت وابن قاضيها يؤكد قائلاً « … وقد رأينا الناس يلاطفون فقهاءهم وعلماءهم ويهدون لهم، يرجون بذلك مودتهم وتعظيمهم وتشريفهم ولا يطلبون بذلك منهم مكافأة ويقبل منهم علماؤهم وفقهاؤهم ويرون ذلك من مكارم الأخلاق … و إنَّما يكره قبول الهدايا للأمراء والوزراء و القضاة والعمال لأنَّ قبول الهدايا لهؤلاء رشي في الأحكام … »(2).

إنَّ هود بن محكّم هنا لا يتهم قضاة تيهرت بالرشوة أو قبول الهدايا و إنَّما يحذِّر من ذلك خشية الوقوع في الحرام. ولقد صدقت الباحثة نوال تركي لما علقت على فعل ماتع بأنّه «يمكن أن نعد هذا التصرف الشاذ في سلوك القاضي حالة شاذة لأنَّ سِفر القضاء مليء بالصفحات المشرقة المشرّفة للرجال الذين تولوا منصب القضاء»(3).

خلاصة القول إنَّ قضاة المغرب الإسلامي عموماً اختاروا الحياة البسيطة والمعيشة المتوسطة ووجدوا في التخشن في الملبس والمأكل والمركوب هيبتهم وشخصيتهم، وكان إِلى جانب هؤلاء قلة من القضاة عاشوا الرفاهية وتمتعوا بحياتهم واستفادوا من منصب القضاء مستوى معيشياً راقياً، والكل في نهاية المطاف - إلاَّ من شذَّ - كان عادلاً في أحكامه صارماً في قضائه شديداً في حق الله.

(1) - ابن أبي زرع: الأنيس المطرب 46.

(2) - هود بن محكم: تفسير هود بن محكم 3/ 326 - 327 وذلك في تفسير قوله تعالى ﴿وَمَا ءَاتَيْتُمْ مِّن رِبَا لِتُربُوا فِي أَمْوِالِ النَّاسِ فَلاَ يَربُوا عِندَ الله﴾ سورة الروم آية 39.

(3) - التنظيمات. 177.

٢٦٩ / ٧٤٣